محنته :
في سنة ست وسبعين وأربعمائة - أيّام المستنصر باللّه أبي تميم معدّ بن الظاهر - صدر قرار رسميّ من السّلطان يقضي بمنع أبي إسحاق من التّحديث ولقاء أهل العلم وطلّاب الحديث الشريف ، ومنعه من كتابة الإجازة الخطّيّة .
وكان آخر من سمع عليه الحديث في عامه ذاك ، وقبل صدور قرار المنع ، هو أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاريّ ، النّصريّ ، قاضي المارستان « 1 » .
وبعد هذا التّاريخ كان لزاما على طالب العلم أن يستأذن رجال الدّولة ، يسمحون بذلك أو يمنعون ؛ وإذا سمحوا له اشترطوا عليه ألّا يطلب إجازة مكتوبة منه ، كما مرّ بنا قول القاضي الصّدفيّ قبل قليل .
قال الإمام الذّهبيّ « 2 » : « وكانت الدّولة الباطنيّة قد منعوه من التّحديث ، وأخافوه وهدّدوه ، فامتنع من الرّواية ، ولم ينتشر له كبير شيء » .
ولم يقتصر تضييق الدّولة عليه في حياته ، وإنما سرى حقدهم عليه حتى بعد مماته ؛ فقد بعثروا مكتبته الضّخمة ، وعرضوها على المزاد العلنيّ ، فباعوها بسعر بخس ! ! .
قال الإمام السّلفيّ « 3 » : « سمعت مرشد بن يحيى يقول : اشتريت من كتب الحبّال عشرين قنطارا بمائة دينار ؛ فكان عنده أكثر من خمسمائة قنطار كتب » .
وربّما اشترى من كتبه من لا يحسن العلم ، ولا يعرف لكتب العلم قيمة ؛
هامش
( 1 ) سير أعلام النبلاء 18 / 501 . وانظر ترجمة قاضي المارستان في السير 20 / 23 .
( 2 ) سير أعلام النبلاء 18 / 497 والمقفى 1 / 162 .
( 3 ) سير أعلام النبلاء 18 / 499 .