ذقت حلاوة الأنس بالخالق ما احتجت إلى مؤانسة المخلوقين لأنه قد جاء في الحديث : « إن اللّه تعالى يقول : أنا جليس من ذكرني » « 49 » ثم قال : ما أجد حسّ الناس إذا صعدوا إليّ من الدرج إلّا كضرب السياط في أكتافي .
حدث أبو اللّيث السّراج قال : دخلت يوما على أبي جعفر القمودي وأبي جعفر الأربسي ، فجعلت أكلم أبا جعفر وأخفض من صوتي ، فقال لي : ارفع صوتك ، فقلت له : إني أخاف أن أشغل الشيخ بكلامي ، فقال : إنه ليس يسمعك ، فقلت وكيف ذلك ؟ قال « 50 » : كان يشغله بعض ما كان يسمع من الكلام عن ذكر اللّه تعالى ، فسأل اللّه عزّ وجلّ أن ينقص ( من ) « 51 » سمعه فنقصه « 52 » اللّه عزّ وجلّ منه ، فهو لا يسمع إلّا ما رفع « 53 » به الصوت / كثيرا وكان يكره فضول النظر ، فسأل اللّه عزّ وجلّ أن ينقص من بصره فنقصه منه فهو لا يبصر إلّا ما كان معه في الغرفة .
وحدثنا « 54 » أبو عبد اللّه بن يقظان السوسي « 55 » قال : كان أبو جعفر القمودي ينفرد في بيته للعبادة والاجتهاد ، وصاحبه أبو جعفر الأربسي جالس مع أصحابه يتذاكرون العلم ثم يخرجون منه إلى الحديث فيأتي القمودي إلى باب البيت الذي هم فيه ، فيجعل يده على قوائم الباب ثم يقرأ هذا الآية :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً
« 56 » اذكروا اللّه يذكركم . . . [ قد ] « 57 » جاءكم الموت . . . ثم يرجع إلى بيته - رضي اللّه عنه - .
هامش
( 49 ) انظر الحديث ورواياته وتخريجه في كشف الخفاء 1 : 232 رقم 611 .
( 50 ) في ( ب ) : فقال
( 51 ) سقطت من ( ب ) .
( 52 ) في ( ب ) : فنقص .
( 53 ) في ( ب ) : يرفع .
( 54 ) في ( ب ) : قال
( 55 ) في ( ب ) : الصوفي
( 56 ) سورة الأحزاب ، آية 41 .
( 57 ) زيادة يقتضيها السياق .