لها مهادا فتنزهت في روح رياض قدسه ، فهي له ومعه . فقال : يا ذا النون زدت الجرح قرحا وقتلت فأوجعت ، يا هذا ما صحبت صاحبا منذ صحبته ، أصحبك اليوم . قلت : فقم بنا . فقمنا جميعا نسير بلا زاد ، فلما وغلنا في البرية وطوينا ثلاثا قال لي : قد جعت . قلت : نعم قال فأقسم عليه حتى يطعمك ؟
قلت : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا تسأله شيئا ، إن شاء أطعمك وإن شاء ترك . قال : فتبسم وقال : امض الآن . فلقد أفيض علينا من أطائب الأطعمة ولذيذ الأشربة حتى دخلنا مكة سالمين ، ثم فارقني وفارقته . قال يوسف :
فلقد رأيت ذا النون كلما ذكره بكى وتأسف على صحبته .
* حدثنا محمد بن محمد بن عبيد اللّه ثنا نصر بن شافع المقدسي الزاهد ثنا موسى بن علي الاخميمى قال قال ذو النون : وصف لي رجل باليمن قد برز على المخالفين ، وسما على المجتهدين . وذكر لي باللب والحكمة ، ووصف لي بالتواضع والرحمة . قال : فخرجت حاجا فلما قضيت نسكي مضيت إليه لأسمع من كلامه ، وأنتفع بموعظته أنا وناس كانوا معي يطلبون منه مثل ما أطلب . وكان معنا شاب عليه سيما الصالحين ، ومنظر الخائفين ، وكان مصفار الوجه من غير مرض أعمش العينين من غير عمش ، ناحل الجسم من غير سقم ، يحب الخلوة ويأنس بالوحدة ، تراه أبدا كأنه قريب عهد بالمصيبة ، أو قد فدحته نائبة . فخرج إلينا فجلسنا إليه فبدأ الشاب بالسلام عليه وصافحه ، فأبدى له الشيخ البشر والترحيب فسلمنا عليه جميعا ، ثم بدأ الشاب بالكلام فقال : إن اللّه تعالى بمنه وفضله قد جعلك طبيبا لسقام القلوب ، ومعالجا لأوجاع الذنوب ، وبي جرح قد فعل ، وداء قد استكمل ، فان رأيت أن تتلطف لي ببعض مراحمك وتعالجنى برفقك . فقال له الشيخ ، سل ما بدا لك يا فتى . فقال له الشاب : يرحمك اللّه ! ما علامة الخوف من اللّه ؟ فقال : أن يؤمنه خوفه من كل خوف غير خوفه . ثم قال : يرحمك اللّه متى يتبين للعبد خوفه من ربه ؟ قال : إذا أنزل نفسه من اللّه بمنزلة السقيم ، فهو يحتمى من كل الطعام مخافة السقام ، ويصبر على مضض كل دواء مخافة طول الضنا . فصاح الفتى صيحة وقال : عافيت فأبلغت ، وعالجت فشفيت ثم بقي
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء — صفحة 365
مساهمون: أبي نعيم الأصبهاني
ص٣٦٥