تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
بمصر فأمر أن يجعل قبره مع الأرض . * حدثنا أبو جعفر أحمد بن علي بن عبد اللّه بن حمدان - بالكوفة - ثنا عبد اللّه بن محمد السمناني ثنا أبو يعقوب يوسف بن أحمد البغدادي المكفوف ثنا أبو الفيض بن إبراهيم المصري ذا النون - سنة خمس وأربعين ومائتين بسرّمن‌رأى - قال : رأيت رجلا في برية يمشى حافيا وهو يقول : المحب مجروح الفؤاد لا راحة له ، قد زحزحت الجرحة الدواء ، وأزعج الدواء الداء . فاجتمعا والقلب بينهما بحول يرتكض . فسلمت عليه فقال لي : وعليك السلام يا ذا النون . قلت : عرفتني قبل هذا ؟ قال : لا . قلت : فمن أين لك هذه الفراسة ؟ فقال : ممن يملكها ليست منى ، هو الذي نور قلبي بالفراسة حتى عرفني إياك من غير معرفة سبقت لي ، يا ذا النون ! قلبي عليل ، وجسمي مشغول ، وأنا سائح في البرية أسير فيها منذ عشرين سنة ، ما أعرف بيتا ولا يكننى سقف يسترني من الشمس إذا لظت ، ويحفظني من الرياح إذا هبت ، ويكلؤنى من الحر والبرد جميعا ، فصف لي بعض ما أنا فيه إن كنت وصافا . ثم جلس وجلست . فقلت : القلب إذا كان عليلا جالت الأحزان والأسقام فيه ، ليس للقلب مع ما يجول من أصل الأسقام دواء ، وإن يستجلب الأحزان من استجلبها يطول سقمه ليشكوه ويشكو إليه . فصرخ صرخة ثم قال : مالي وللشكوى ؟ أما لو طالت البلوى حتى أصير رميما ما تحركت لي جارحة بالشكوى قال ذو النون : فقلت : طرقت الفكرة في قلوب أهل الرضا فمالت بهم ميلة فزعزعت الجوى ، ودكدكت الضمير ، فاختلفا جميعا فالتويا فعرفتا طريق الرضا منهم بالألفة إليه ، فوهب لهم هبة ثم أتحفهم بتحفة الرضا ، فماجت في بحار قلوبهم موجة فهيجت منها اللذة ، لا بل هيجت منها هيجان اللذات ، فشخصت بالحلاوة التي أتحفت إلى من أتحفها فمرت تطير من جوف الجوى ، فأي طيران يكون أبهى من قلوب تطير إلى سيدها ؟ لقد هبت إليه بلا أجنحة تطير ، لقد مرت في الملكوت أسرع من هبوب الرياح ومن يردها وهو يدعوها إليه لقد فتح الباب حين هبت إليه طائرة فدخلت قبل أن تقرع الباب ، لقد مهد
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء — صفحة 364 | أبي نعيم الأصبهاني