فأرسل إليها ، فأقرأها الكتاب ، فقالت : أما أنا فغير زائغة عن طاعة ؛ فإن كان أمير المؤمنين جعل الاختيار لي لم أرم من « 1 » بلدي هذا ، وإن كان حتم « 2 » الأمر فالطاعة له .
فحملها في هودج جعل متناه خزّا مبطنا بعصب « 3 » اليمن ، ثم أحسن صحبتها .
فلما قدمت على معاوية قال لها :
مرحبا وأهلا خير مقدم أقدموك وأفضل ، كيف أنت يا خالة ، وكيف كان مسيرك ؟
قالت : خير مسير ، كأني كنت ربيبة بيت أو طفلا في مهد .
قال : بذاك أمرتهم ، فهل تعلمين لم بعثت إليك ؟
قالت : لا يعلم الغيب إلّا اللّه .
قال : ألست راكبة الجمل الأحمر يوم صفّين ، وأنت بين الصّفين توقدين الحرب ، وتحضين عليها ؟
قالت : بلى .
قال : فما حملك على ذلك ؟
قالت : يا أمير المؤمنين ، إنه قد مات الرأس وبتر الذنب ، والدهر ذو غير « 4 » ، ومن تذكر أبصر ، والأمر يحدث بعد الأمر .
هامش
( 1 ) أي لم أبرح .
( 2 ) هذه احدى روايتي تاريخ دمشق ، وفي البلاغات « حكم الأمر » حتم الأمر :
أوجبه .
( 3 ) العصب : ضرب من برود اليمن سمي عصبا لأن غزله يعصب أي يدرج ثم يصبغ ثم يحاك . ولا يجمع وإنما يقال : برد عصب ، وبرود عصب . وفي بلاغات النساء : جعل غشاءه حبرا مبطنا بعصب اليمن .
( 4 ) غير : أحداث مفردها غيرة .