من هنا قد يقال : إنّ ما نقله هؤلاء الصحابة والتابعون لهم عنه صلّى الله عليه وآله إلينا فهو بيان نبوىّ لا يجوز التجافي والإغماض عنه بنصّ القرآن ، وما تكلّموا فيه من غير إسناد إلى النبىّ صلّى الله عليه وآله
فهو وإن لم يجر مجرى النبويّات في حجّيتها ، لكن القلب إليه أسكن ، فإنّ ما ذكروه في تفسير الآيات إمّا مسموع من النبىّ أو شئ هداهم إليه الذوق المكتسب من بيانه وتعليمه صلّى الله عليه وآله ، وكذا ما ذكره تلامذتهم من التابعين ومن تلا تلوهم . وكيف يخفى عليهم معاني القرآن مع تمكّنهم في العربيّة وسعيهم في تلقّيها من مصدر الرسالة واجتهادهم البالغ في فقه الدِّين على ما يقصّه التاريخ من مساعيهم في صدر الإسلام .
لذا آمنت مدرسة الصحابة أنّ العدول عن طريقتهم وسنّتهم والخروج عن جماعتهم في تفسير آية من الآيات بما لا يوجد في أقوالهم وآرائهم بدعة ، والسكوت عمّا سكتوا عنه واجب ، وفى ما نقل عنهم كفاية لمن أراد فهم كتاب الله تعالى .
إلّا أنّ ما ذُكر لا يمكن قبوله ؛ وذلك : لأنّ ما ورد به النقل من كلام الصحابة مع قطع النظر عن طرقه لا يخلو عن الاختلاف فيما بين الصحابة أنفسهم ، بل
لا يخلو عن الاختلاف في ما نقل عن الواحد منهم على ما لا يخفى على المتتبّع المتأمّل في أخبارهم ، والقول بأنّ الواجب حينئذ أن يختار أحد الأقوال المختلفة المنقولة عن الصحابة في الآية ، ويجتنب عن خرق إجماعهم والخروج عن جماعتهم ، مردود بأنّهم أنفسهم لم يسلكوا هذا الطريق ولم يلتزموا هذا المنهج ولم يبالوا بالخلاف فيما بينهم ، فكيف يجب على غيرهم أن يقفوا
المنهج التفسيري — صفحة 42
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤٢