ويتبع المولى - سبحانه - هذا التحدي الحاسم بتسجيل ألوهيته المكينة في تثبيت قدرته المتينة في أن كل شئ في السماوات والأرض يسجد له ، من شمس وقمر ونجوم وجبال ودواب وأناس إلا من انحرف من البشر عن الصراط القويم فيقول عز من قائل :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ
7 .
وفي إطار من مزيد تأكيد قدرته وتمكين إرادته إزاء خلقه الذين منهم المؤمن الطائع والمنكر ، فيسجل قدرته العظمى في خلق السماوات وبنائها وبسط الأرض وإثرائها وذلك في قوله جل وعز :
أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها ( 27 ) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ( 28 ) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها ( 29 ) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ( 30 ) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها ( 31 ) وَالْجِبالَ أَرْساها ( 32 ) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ
8 .
بهذا الخطاب القرآني المعجز الحاسم يبدي منزل القرآن آياته الحاسمة حكما ، القاطعة مشيئة ، المترعة بفضله وكرمه ، وبيان مننه الإلهية ليس على الإنسان وحده ، وإنما هي للإنسان وما يملك من أنعام وحيوان .
هذه الأرض التي خلقها ومنّ بها على الإنسان خلقا من طينها ومستقرا في بيوتها ومساكنها واستمتاعا بخيرها من زرع وضرع ، ثم بعد ذلك استخلافا فيها وثواء في ثراها ، قد غمره تكريما وأنعم عليه بالمنة العظمى ، بأن جعل لذاته العلية بيتا فيها يؤمه الناس حجا وعمرة وصلاة وعكوفا ، وينزل الآيات البينات في تكريم بيته وتأمين من يعيشون حوله ، رزقا في الدنيا وثوابا في الآخرة .
لقد كرم اللّه الأرض وساكنيها بأن جعل لذاته العلية أول بيت بنى فيها ، إنه كما وصفه اللّه مبارك وهدى للعالمين ، وأن فيه مقام إبراهيم ، وأن من دخله كان آمنا ، وأن على كل مسلم مستطيع أن يحج إليه ، وكيف لا يكون آمنا من دخله وهو بيت الرحمن ، وأن كل من حج إليه أو طاف به فهو ضيف الرحمن ، فهل هناك منة إلهية في هذا المجال أعظم وأجلّ من تلك المنة التي سجلها القرآن الكريم بقول اللّه عز وجل :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ( 96 ) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
9 .
ويؤكد المولى - سبحانه - أن الكعبة هي البيت الحرام - وجعلها قياما للناس وصلاحا