تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 773

مساهمون:

ص٧٧٣
للحيوان في أصل الفطرة من الكساء الذي يقيه البرد والحر ، والأعضاء التي يتناول بها غذاءه والتي يدافع بها عن نفسه ويسطو بها على عدوه ، وغير ذلك من المواهب التي يعطاها الحيوان بلا كسب ، حتى كان له بها من الاختراعات العجيبة ما كان ، وسيكون له من ذلك ما لا يصل إليه التقدير والحسبان . فالإنسان بهذه القوة غير محدود الاستعداد ولا محدود الرغائب ولا محدود العلم ولا محدود العمل ، فهو على ضعف أفراده يتصرف بمجموعه في الكون تصرفا لا حدّ له بإذن الله وتصريفه ، وكما أعطاه الله تعالى هذه المواهب والأحكام الطبيعية ليظهر بها أسرار خليقته ، وملكه الأرض وسخر له عوالمها ، أعطاه أحكاما وشرائع حدّ فيها لأعماله وأخلاقه حدّا يحول دون بغى أفراده وطوائفه بعضهم على بعض ، فهي تساعده على بلوغ كماله ؛ لأنها مرشد ومربّ للعقل الذي كان له كل تلك المزايا ؛ فلهذا كله جعله خليفة في الأرض وهو أجدر المخلوقات بهذه الخلافة . ظهرت آثار الإنسان في هذه الخلافة على الأرض ، ونحن نشاهد عجائب صنعه في المعدن والنبات ، وفي البر والبحر والهواء ، فهو يتفنن ويبتدع ويكتشف ويخترع ويجدّ ويعمل ، حتى غيّر شكل الأرض فجعل الحزن سهلا ، والماحل خصبا . والخراب عمرانا ، والبراري بحارا أو خلجانا ، وولّد بالتلقيح أزواجا من النبات لم تكن كالليمون المسمى « يوسف أفندي » فإن الله تعالى خلقه بيد الإنسان وأنشأه بكسبه . وقد تصرف في أبناء جنسه من أنواع الحيوان كما يشاء بضروب التربية والتغذية والتوليد ، حتى ظهر التغير في خلقتها وخلائقها وأصنافها فصار منها الكبير والصغير ، ومنها الأهلى والوحشي ، وهو ينتفع بكل نوع منها ويسخره لخدمته كما سخر القوى الطبيعية وسائر المخلوقات ، أليس من حكمة الله الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى ، أن جعل الإنسان بهذه المواهب خليفته في الأرض ، يقيم سننه ، ويظهر عجائب صنعه ، وأسرار خليقته ، وبدائع حكمه ، ومنافع أحكامه ، وهل وجدت آية على كمال الله تعالى وسعة علمه أظهر من هذا الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم ؟ . . كلا ! !

تفضيل الإنسان

لا غرابة في أن يكون هذا المخلوق محفوفا بالعناية الربانية ، التي ترفع من قدره ، وتعلى منزلته بين الكائنات جميعها ، وتفضله على ما عداه من مخلوقات الله تعالى الأخرى . فهذه هي الملائكة ، الذين أخبر الله عنهم
الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 773 | محمود حمدي زقزوق