تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 680

مساهمون:

ص٦٨٠
العجز ، فيأتي بالمعنى نفسه في صورة أخرى جديدة ، فيدهش السامعون لهذا التكرار الطريف ، مع أنّه تكرار . وقد خفى هذا المراد على الملاحدة ومن لا نفاذ لهم في أسرار العربية ، فزعموا المزاعم السخيفة مع أنّهم وأشباههم قد عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله . وخلص الرافعي إلى تحليل الأسلوب القرآني ، فحصر جهات النظم في ثلاث . هي الحروف والكلمات والجمل ، وخصّ كل جهة بفصل شاف مشفوع بالأدلة الكاشفة ، والجديد بها أكثر من أن يحصر . وقد باهى الرافعي بما اهتدى إليه ، ولم يلتفت ناقدوه إلى ما اختاره من أمثلة لم تكن من مختارات سابقيه ، ممّا يجعلني أؤكد أن كتاب الرافعي هو الثاني في بابه بعد كتاب « دلائل الإعجاز » لأن الكتابين اجتمعا في خاصية واحدة ، لم يشركهما فيها مشارك ، وهي روعة البيان الأسلوبى وتدفق التحليل . ومن الجديد الذي اهتدى إليه الرافعي من بارع الأفكار المضيئة في أفق الإعجاز نستشهد بهذه السطور : « . . كل من يبحث في تاريخ العرب وآدابهم ، وينفذ إلى ذلك من حيث تنفذ به الفطنة ، وتأتى حكمة الأشياء ، فإنه يرى كل ما سبق على القرآن من أمر الكلام العربي وتاريخه ، إنما كان توطيدا له ، وتهيئة لظهوره ، وتناهيا إليه ودربة لإصلاحهم به ، وليس في الأرض أمة كانت تربيتها لغوية غير أهل الجزيرة ، فما كان فيهم كالبيان آنق منظرا وأبدع مظهرا ، وأمدّ سببا إلى النفس ، وأردّ عليها بالعافية ، ولا كان لهم كذلك البيان أزكى في أرضهم فرعا ، وأقوم في سمائهم شرعا ، وأوفر في أنفسهم ريعا ، وأكثر في سوقهم شراء وبيعا ، وهذا موضع عجيب للتأمل ، ما ينفد عجبه على طرح النظر وإبعاده ، وإطالة الفكر وترداده ، وأىّ شئ في تاريخ الأمم أعجب من نشأة لغوية تنتهى بمعجزة لغوية ، وتأتى بها على أكمل الوجوه وأحسنها ، ثم يكون الدين والعلم والسياسة ، وسائر مقومات هذه الأمة مما تنطوى عليه المعجزة ، فتخرج به للدهر أمة كان عملها في الأمم صورة من تلك المعجزة » 4 . وهذا الوجه من النشأة اللغوية للأمة العربية قبل مبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يراه الرافعي إعجازا للقرآن الكريم ، إذ نشأ في أمّة هذه مقدرتها اللغوية لتكون قادرة على استيعابه ، وهي في الوقت نفسه عاجزة عن الإتيان بمثله ، وأنا أرى أن هذه النشأة ليست
الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 680 | محمود حمدي زقزوق