تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
( و ) أن يأتي في الآية روايتان صحيحتان : كل منهما نص في سبب النزول ، ولا مرجح لإحداهما على الأخرى ، ولا يمكن الجمع بينهما على اعتبار قرب الزمان ، لأن زمانهما متباعد ، وعندئذ يحمل العلماء مثل هذه الصورة على تكرر النزول . وقد مثل الزركشي لذلك - في البرهان - بما ورد في سبب النزول لقول اللّه تعالى :
وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ
هود / 114 ، من أنها نزلت - كما في الصحيحين 69 في رجل أصاب من امرأة قبلة ، فسأل النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن كفارتها ، فنزلت الآية . قال الزركشي معلقا : « والرجل قد ذكر الترمذي أو غيره 70 أنه أبو اليسر ، وسورة هود مكية باتفاق ، ولهذا أشكل على بعضهم هذا الحديث مع ما ذكرنا ، ولا إشكال لأنها نزلت مرة بعد مرة » 71 . والحق أن هذا الإشكال لا يحتم القول بتكرر النزول كما قال الزركشي ، لأن كون السورة مكية لا يمنع أن تكون بعض آياتها مدنية ، لأن الاعتبار في تصنيف السور إلى مكي ومدنى بالأعم الأغلب ، والقرآن نزل منجما في مكة والمدينة ، والراجح أن هذه الآية مدنية ، وهذا ما قرره السيوطي رحمه اللّه ونص عليه في بيان أن بعض السور التي نزلت بمكة فيها آيات نزلت بالمدينة ، ذكر منها سورة هود ، فقال : « هود : استثنى منها ثلاث آيات :
فَلَعَلَّكَ تارِكٌ
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ
وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ
قلت : دليل الثالثة ما صح من عدة طرق أنها نزلت في المدينة في حق أبى اليسر » 72 . كما ساق الزركشي مثالا آخر لتكرر النزول فقال : « وكذلك ما ورد في :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
أنها جواب للمشركين بمكة ، وأنها جواب لأهل الكتاب بالمدينة » 73 . وعلل لتكرار النزول بقوله : « وقد ينزل الشيء مرتين تعظيما لشأنه ، وتذكيرا به عند حدوث سببه خوف نسيانه ، وهذا كما قيل في الفاتحة نزلت مرتين : مرة بمكة وأخرى بالمدينة » 74 . وعلى كل ففي القول بتكرار النزول أقوال للعلماء ، ولم يتفقوا جميعا على القول به ، بل منهم من أنكر وقوعه 75 . هذه هي الأوجه التي تتأتى في تعدد الروايات في أسباب النزول ، وهذه هي أمثلتها مقرونة بما يتأتى فيها من الجمع بينها ، أو ترجيح بعضها على بعض ، مع بيان دواعي هذا الترجيح .