تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 673

مساهمون:

ص٦٧٣
وذوق وفن ، وهذا أيضا نهجه في التفسير الشهير الذي حاز الصيت البعيد ، إذ حفل بثمار الثقافة الإسلامية في عصره منطقا وأصولا وفلسفة وتوحيدا وجدلا لتكون هذه الثمار أدوات لتوجيه الاعتراض ودفعه ، فتحول التفسير إلى دائرة معارف علمية . ثم جاء البيضاوي فاقتبس منه طريقته مع إيجاز بالغ دعا كثيرا من المؤلفين إلى كتابة الحواشى على تفسيره ليذكروا أكثر ما قرره الرازي ! وهكذا لم يجد الإعجاز من أصحاب الذوق البياني في هذا الخضم المتسع من يأخذ بناصره ؛ لأن السكاكى قد تصدر للتأليف في علوم اللسان ومنها علم البلاغة فقعّد القواعد ، واهتم بالفروع ، وقد قرأ كتاب عبد القاهر وانتفع به ، ولكنه لم يمض في منحاه الأسلوبى ، بل جعل ما بسطه الجرجاني مقننا في تعريفات وأقسام جنت على النص الأدبي ، وقد ظهر في هذا العصر من استطاع أن يتجافى طريقة الرازي في الشرح البياني وهو ابن أبي الأصبع ت 654 ه حيث قصر كتابه الكبير « بديع القرآن » على ما استحسنه من مظاهر الألوان البلاغية من استعارة وتشبيه ومجاز وطباق وتجنيس وتورية وكناية وتعريض واختراع أسماء أخرى لم تكن من قبل حتى عدّ من ألوان البديع مائة وتسعة كان من الممكن أن تتداخل فلا تتسع إلى هذا الأمد ، وقد كان ابن أبي الأصبع أديبا شاعرا ولكنه نشأ في عصر التقليد فلم ينج من أوهاقه ، وكانت ضروب البديع مهوى الشعراء والباحثين في النقد الأدبي فاختصها باحتفاله وجعل من آيات الذكر الحكيم مجالا لتطبيقها على هذا النحو الفسيح حتى عد هذه المحسنات مع ما يتصل بها من فنون المجاز والكناية والتشبيه والاستعارة من دلائل الإعجاز القرآني ، ومن أبرز سماته . ومن المدهش أنه ذكر في مقدمة كتابه : إعجاز القرآن للباقلاني ودلائل الإعجاز لعبد القاهر وتفسير الكشاف وغيرها من الكتب التي خالفت نهجه في التأليف ، ونقل منها في أكثر من موضع ، واستراح إلى مضمونها ولم يمنعه ذلك من الإغراق في التماس البديعيات والمحسنات التماسا مفرطا قد يدعو إلى الملال ، وكان الأحرى به وقد درس كتب السابقين من هؤلاء الأفذاذ ألا يتنكب طريقهم المتزن ؟ في تناول ألوان البيان . على أنه قليلا ما كان يسمح لخاطره بالتعبير المتسع في تحليل بعض الآيات فيأتي بما كنا نود أن يستمر عليه في التأليف ، ومن ذلك ما كتبه عن قول اللّه عز وجل :
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
58 حيث قال - بتصرف قليل :
الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 673 | محمود حمدي زقزوق