تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 672

مساهمون:

ص٦٧٢
يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها
54 حيث قال : « فإن قلت : لم قيل مرضعة دون مرضع ، قلت : المرضعة التي هي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبىّ ، والمرضع التي من شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به ، فقيل مرضعة ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه ، وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة » 55 . ومن دقائق ما التفت إليه الزمخشري ما ذكره عن تفسير قول اللّه عز وجل :
هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا
56 . حيث قال : « فإن قلت : أي فرق بين ( وظنوا أن حصونهم تمنعهم ) وبين النظم الذي جاء عليه ؟ قلت : في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ، ومنعها إياهم ، وفي تصيير ضميرهم اسما وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالي معها بأحد يتعرض إليهم ، أو يطمع في منازلتهم ، وليس ذلك في قوله : « وظنوا أن حصونهم تمنعهم » . 57 هذه لفتات أدبية رائعة تصور إحساس الزمخشري بالإعجاز القرآني في كل منحى من مناحيه ، كلمة أو جملة أو تقديما أو تأخيرا ، وقد ظهرت مؤلفات خاصة بتفسير الكشاف وضحت هذه المعاني بما لا مزيد عنه ، ولو امتد هذا الإحساس الأدبي لدى الذين نقلوا عنه من المفسرين ، لواصلوا السير على نمطه ، ولكن كلّ ميسر لما خلق له . وحسبه أنه أعطى فأجزل العطاء . تراجع : كان انتهاء القرن الخامس الهجري مؤذنا بتراجع ملموس في النشاط الابتكارى بالدراسات العلمية والإبداع الأدبي معا ، وقد شمل ذلك دراسات الإعجاز القرآني حيث لم تعد مدّا متواصلا يحفل بالجديد ، بل وقفت إلى ما انتهى إليه السابقون ، وزادت عليه أن غمرتها الخصائص المنطقية ، وكان الفخر الرازي أول من انتقل بها من مجالها البياني إلى تقسيمات المناطقة ، حين ألف كتابه ( نهاية الإعجاز في دراية الإيجاز ) ، فاستعان بالمنطق في تشعيب المسائل وتفريعها ، والإحاطة بالأصول والفروع غير ملتفت إلى جمال النص وروعة الأسلوب ، بل أصبحت القواعد الجافة ، مجال تأملاته وموضع اهتمامه ، وكأنه يكتب عن فلسفة ومنطق ونحو وصرف لا عن بيان