تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 670

مساهمون:

ص٦٧٠
غنم ، حتى لو كان مكان الغنم إبل لم ينكر الذود ، كما أنك إذا قلت : مالك تمنع أخاك ؟ كنت منكرا المنع لا من حيث هو منع ، بل من حيث هو منع أخ ، فاعرفه تعلم أنك لم تجد لحذف المفعول في هذا النحو من الروعة والحسن ما وجدت ، إلا لأن في حذفه وترك ذكره فائدة جليلة ، وأن الغرض لا يصح إلا على تركه » . 48 هذا التحليل لا يملكه إلا باحث ذوّاق مثل عبد القاهر ، وقد جاء بعده من حاولوا أن ينهجوا في الحديث عن أبواب المعاني من حذف وذكر وتقديم وتأخير وغيرها ، لكنهم لم يرزقوا موهبته ، فكتبوا كثيرا مما اعترض عليه ، هذه ناحية . - أما الناحية الثانية فإن الاهتمام بالآية والآيتين كلمات وحروفا ؛ دون نظر إلى الموضوع جميعه ، والارتباط الوثيق بين الآيات المتصلة ؛ جعل النظر جزئيا لا كليّا ، وقد آن لنا أن ننظر إلى النص باعتباره وحدة متماسكة دون أن نقتصر على الجملة والجملتين ، والآية والآيتين . - وأبرز من اهتدى إلى طريقة الجرجاني هو : الزمخشري في ( كشافه ) مع الفرق بين أسلوب الأديب وترسّله عند عبد القاهر ، وأسلوب العالم ودقّته - ولا أقول كزازته - عند الزمخشري ، على نحو ما سأشير إليه الآن . الزمخشري : إذا كان عبد القاهر قد اختار من آيات الكتاب المبين ما يكشف عن منحاه البياني ، ويخدم قضية الإعجاز التي سمّى كتابه بها ، فإن الزمخشري قد فسّر القرآن كله آية آية ليسير في ضوء عبد القاهر وإن لم يعترف بذلك فلم يذكر اسمه صريحا بين أسماء من حشرهم في مقدمة الكتاب ، وقد اكتفى بإشارة بعيدة إلى بيت شعر قاله ، والعجب أن يشير إليه شاعرا دون أن يشير إليه فاتحا أهم ميادين البيان ! وهذا يتطلب التعليل . . نعرف أن الزمخشري كان معتزليّا ، وقد بذل جهده في تعضيد مذهبه ، حين تعرض لتفسير الآيات المتصلة بعلم الكلام وقد مثّلت لذلك فيما كتبته عنه في كتابي ( خطوات التفسير البياني ) وأرى من ضيق المقام أن أتجاوز ذلك إلى نقول تدلّ على حسن ذوقه ، وقوة استشفافه البياني مع ما تدل عليه من منهجه الأسلوبى إذ جعل التقرير البياني في هيئة سؤال وجواب كأن يقول فإن قلت . . . ، قلت . وهي طريقة لا ينفسح معها مجال الإشباع الأدبي ، كما اتسع أمام عبد القاهر . ومما نختاره من دلائل نفاذه في التفسير البياني ، ما ذكره في تأويل قول اللّه عز وجل :
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها