تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١
فتأمل هذه الروائع واللطائف في هذا التشبيه ، وقس عليها ما شئت من تشبيهات البشر ، لتدرك بعد الثريا من الثرى . وصورة ثالثة نعرج عليها في سرعة ، هي قوله تعالى :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً
7 . هذه الآية تتحدث عن رجل أو صنف من الناس كانوا يقفون عقبة كئودا في وجه الدعوة ، ويستجلبون بدائل عنها يلهون بها الناس عن سماع دعوة الحق ، ويفرون هم منها فرار الحمر المذعورة من الأسد الهصور . هذه هي القضية ، فكيف صورها التشبيه القرآني للناس ، في كلمات صغار ذوات معان كبار . تعال معي لنرى ونتذوق : صورها أولا :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً
والتولي هو الفرار أو الهروب السريع ، ثم بين علة هذا الهروب والفزع ، وهي الاستكبار ، وجعل الاستكبار حالا منه ، يعنى هرب يطير به استكباره الخادع . ومن أي شئ هرب مسرعا ؟ من آيات اللّه الهادية إلى سبيل أقوم . هذا التصوير كان كافيا في رسم شخصية هذا الخصم الألد ، لكن القرآن يخطو بنا خطوة أخرى عن طريق التشبيه فيقول :
كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها
شبه حاله في عدم التأثر بهدى اللّه ، وهو يتلى عليه بحال من لم يسمع تلك الآيات الهاديات . ووجه الشبه هو انعدام الإحساس بما يتلى . ومن دقائق هذه الصورة إيثار ( أن ) المخففة من الثقيلة ( أنّ ) لأن هذا الإيثار أتاح حذف ضمير الشأن من ( أن ) مضافا إلى تخفيف ( أن ) من التشديد . فكان في هذين ( التخفيف وحذف ضمير الشأن ) إسراع إلى وصف هذا الصنف من الناس بعدم السماع ، وفي هذا ذم لهم وتسجيل سريع عليهم بالإعراض عن دعوة الحق . والمشبه والمشبه به أمران معنويان : انعدام التأثر ، وفقد القدرة على السماع . ووجه الشبه هو شدة التبلد في كل منهما ثم جاء التشبيه الثاني
كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً
كاشفا ، وشارحا لفقد القدرة على السماع في التشبيه الأول ، مع زيادة تأصيل للصمم الذي حل بالمعرضين عن دعوة الحق ، فقد أصيبت أذناه بآفة عطلت وظيفتهما فكأنهما - أعنى أذنيه - غير موجودتين . فتأمل كيف بنى التشبيه الفكرة تصاعديا ، حتى وصل بها الذروة في المعنى المراد : ولى مستكبرا . كأن لم يسمعها . كأن في أذنيه وقرا . فبشره بعذاب أليم .