تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ
30 . وقد ذكر الطاهر بن عاشور في تفسير هذه الآية ما ملخصه : أن النفوس بعد سماع الآية السابقة تزداد الهواجس من كثرة تردد الأيمان على الألسنة . فجاء قوله تعالى
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ
31 الآية . والمؤاخذة مفاعلة من الأخذ بمعنى المحاسبة . فالمفاعلة للمبالغة في الأخذ والمحاسبة ، واللغو مصدر من لغا : إذا قال كلاما باطلا . ويقال : لغا يلغو لغوا ، كدعا ، ولغا يلغى لغيا كسعى . ولغة القرآن بالواو ، وفي اللسان « أنه لا نظير له إلّا قولهم أسوته أسوا وأسى » . ويطلق اللغو أيضا على الكلام الساقط الذي لا يعتد به وهو الخطأ وهو إطلاق شائع . واقتصر عليه الزمخشري في « الأساس » وفي « الكشاف » . و ( في ) للظرفية المجازية يراد بها الملابسة ، وهي صفة للغو أو حال منه ، وكذلك قدره الكواشى فيكون المعنى : لا يؤاخذكم اللّه بأن تلغوا لغوا ملابسا للأيمان . هذا إن جعلت اللغو مصدرا ، أما إذا جعلته اسما للكلام الساقط فيكون المعنى : لا يؤاخذكم اللّه في أيمانكم باللغو . فكثرة جريان الحلف على الألسنة جعلته يشبه اللغو في الكلام . وقد اختلف العلماء في مراد اليمين في الآية : الجمهور على أنها الأيمان الجارية على الألسنة بغير قصد الحلف ، وهذا قول عائشة والشعبي وأبى قلابة ، وعكرمة ، ومجاهد ، وأبى صالح وبه أخذ الشافعي . ودليله أن اللغو وردت في الآية في مقابلة المنعقدة ، فلا بد أن هذه التي لا قصد فيها أي غير منعقدة فلا إثم ولا كفارة عليها ، وفي غيرها الكفارة المذكورة في سورة المائدة :
فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ
32 فيكون في الغموس ، والمعلق ، وعلى الظن الذي يتبين خلافه . وذهب مالك إلى أن اللغو هو الذي يقسم فيه على شئ يظنه كذلك ، أو يتبين خلافه ظنه ، وهو مروى في غير « الموطأ » عن أبي هريرة ، وقال به الحسن ، وإبراهيم ، وقتادة والسدى ، ومكحول ، وابن أبي نجيح ، ودليله من الآية المؤاخذة على كسب القلب لا على أصل القسم ، فعلم أن المراد بكسبه كسب الحنث أي تعمده ، فالحالف على ظن يظهر خطؤه لا يتعمد الحنث ، فهو الملغو ولا مؤاخذة فيه . ومن قال : لا واللّه . وهو كاذب فهو قسم عنده ، وجاءت عليه الكفارة ؛ لأنه حلف حين حلف وهو حانث ، وإنما جعلنا تفسير ( ما كسبت قلوبكم ) كسب الحنث ، لأن مساق الآية للحنث ، لأن قوله تعالى :
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ