تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
وأنا المنيّة في المواطن كلّها * والطعن مني سابق الآجال
فإن الطعن لا يسبق الأجل ، لأن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر بالياء باثنتين من تحتها وهو أقرب أمرا من كونه بالباء الموحدة غير أن كليهما افراط . . واعلم أن علماء علم البيان في استعمال الإفراط على ثلاثة أضرب . فمنهم من يكرهه ولا يراه صوابا كأبي عثمان الجاحظ فيما روي عنه ، ومنهم من يختاره ويؤثر كقدامة بن جعفر الكاتب ، فإنه كان يقول الغلوّ عندي أجود المذهبين فإن أحسن الشعر أكذبه . ومنهم من يذهب إلى التوسط بين الغلوّ والتفريط وهو الاقتصاد ، وذلك أن يجعل الغلوّ وهو الافراط مثلا ، ثم يستثنى فيه بأو ، أو يكاد أو ما جرى هذا المجرى ، فيدرك مراده ويسلم من عيب عائب أو طعن طاعن ، وذلك كقول بعضهم في مدح الحسين :
يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
- وكقول أبي عبادة البحتري :
ولو أنّ مشتاقا تكلّف فوق ما * في وسعه لسعى إليك المنبر
وهذا المذهب المتوسط أليق المذاهب الثلاثة وأدخلها في الصنعة فاعرفه . قال المصنف عفا اللّه عنه : أما الاقتصاد والافراط فقد ورد في الكتاب العزيز منه شيء كثير ، وقد تقدم بيانه ، وأما التفريط فليس في القرآن منه شيء .