تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
ففائدة التكرير هاهنا أنه ذكر الخاص هاهنا ذكر العام للتنبيه عليه لفضله كقوله تعالى :
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى
الآية . وأمثال ذلك كثيرة فاعرفها . . والنوع الثاني من الضرب الأول من القسم الثاني إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنى واحد ، وقد سبق مثاله في أول هذا الباب كقولك أطعني ، ولا تعصني ، لأن الأمر بالطاعة نهي عن المعصية . والفائدة في ذلك تثبيت الطاعة في نفس المخاطب ، وتقرير لها في قلبه . والكلام في هذا الموضع من التكرير كالكلام في الموضع الذي قبله من تكرير اللفظ والمعنى إذا كان المراد به غرضا واحدا فاعرفه . . الضرب الثاني من القسم الثاني في تكرير المعنى دون اللفظ وهو غير المفيد . فمن ذلك قول ابن هانئ المغربي :
سارت به صنع القصائد شرّدا * فكأنما كانت صبا وقبولا
فكأنه قد قال - فكأنما كانت صبا صبا - لأن الصبا هي القبول . وليس ذلك مثل التكرير في قوله تعالى - حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى - فيما يرجع إلى تكرير اللفظ والمعنى ولا مثل التكرير في قوله تعالى - ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف - فيما يرجع إلى تكرير المعنى دون اللفظ لأن كل واحدة من هاتين الآيتين يشتمل على معنيين خاص وعام . وقول ابن هانئ - صبا وقبولا - لا يعطي إلا معنى واحدا لا غير وهذا لا يخفى على العارف بصناعة التأليف . . ومن هذا النحو قول الصابئ في كتاب - وصل كتابك بعد تأخير وابطاء وانتظار له واستبطاء - فإن التأخير والاستبطاء بمعنى واحد ، وقد يكون لهذا وجه في التجوز وهو التقرير في نفس المخاطب لبعد الأمد وتطاول المدة في انقطاع كتابه عنه وذلك مما لا بأس به في هذا الموضع . وأمثال هذا كثير فاعرفه . .
الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 167 | ابن قيم الجوزية