تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
ليكون السامع كأنه يعاينها ويشاهدها . . فمن الاخبار بالفعل الماضي عن المضارع قوله تعالى :
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ
فإنه إنما قال - ففزع - بلفظ الماضي بعد قوله - ينفخ - وهو مستقبل للاشعار بتحقق الفزع وثبوته وأنه كائن لا محالة واقع على أهل السماوات والأرض ، لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعا به . . ومنه قوله تعالى :
وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً
فبرزوا بمعنى يبرزون يوم القيامة وإنما جيء به بلفظ الماضي لأن ما أخبر اللّه به لصدقه وصحته كأنه قد كان ووجد . ومثل ذلك قوله عز وجل :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ
فإن - أتى - هاهنا بمعنى يأتي ، وإنما حسن فيه لفظ الماضي لصدق اثبات الأمر ، ودخوله في جملة ما لا بد من حدوثه ، ووقوعه فصار يأتي بمنزلة قد أتى ومضى . . وكذلك قوله تعالى :
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً
فإنه إنما قال - وحشرناهم - ماضيا بعد - نسير . وترى - وهما مستقبلان للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير والبروز ، ليعاينوا تلك الأهوال كأنه قال : وحشرناهم قبل ذلك . . السابع : الإخبار باسم المفعول عن الفعل المضارع ، وإنما فعل ذلك لتضمنه معنى الفعل الماضي ، وقد سبق الكلام عليه . . فمن ذلك قوله تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ
فإنه إنما آثر اسم المفعول هاهنا على الفعل المضارع لما فيه من الدلالة على ثبات معنى الجمع ، وأنه لا بد من أن يكون ميعاد مضروبا لجمع الناس ، وأنه الموصوف بهذه الصفة ، وإن شئت فوازن بينه وبين قوله تعالى :
يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ
فإنك تعثر على صحة ما قلت . .
الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 151 | ابن قيم الجوزية