تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
ولا تعبده ، فلما كان الحال كذلك استعمل لفظ الحمد لتوسطه مع الغيبة في الخبر فقال - الحمد للّه - ولم يقل لك ولما صار إلى العبادة التي هي أقصى الطاعات قال - إياك نعبد - تصريحا بها وتقربا منه عز اسمه بالانتهاء إلى محدوده منها ، وعلى نحو من ذلك جاء آخر السورة فقال - صراط الذين أنعمت عليهم - فصرح بالخطاب لما ذكر النعمة ثم قال - غير المغضوب عليهم - ولم يقل غير الذين غضبت عليهم ، لأن الأول موضع التقرب إلى اللّه بذكر النعمة ، فلما صار إلى ذكر الغضب قال - غير المغضوب عليهم - فجاء باللفظ منحرفا به عن ذكر الغضب فأسند النعمة إليه لفظا وزوى عنه لفظ الغضب تحننا ولطفا . . ومن هذا الجنس قوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً
وشبهه . . الثاني : الرجوع من الخطاب إلى الغيبة كقوله عز وجل :
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها
الآية صرف الكلام هاهنا من خطاب المواجهة إلى الغيبة وانما فعل ذلك وهو أنه ذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها كالمخبر لهم ، ويستدعي منهم الإنكار عليهم والتقبيح لفعلهم ولو قال - حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بكم - وساق الخطاب إلى آخر الآية لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة . . ومن ذلك قوله تعالى :
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ
الأصل أن يعطف على الفعل الاوّل الّا أنه صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات كأنه ينعي عليهم ما أفسدوه إلى قوم آخرين ، ويقبّح عليهم ما فعلوه ويقول : ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين اللّه فجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا ، وذلك مثل لاختلافهم فيه وتباينهم ، ثم توعدهم بعد ذلك بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون فهو مجازيهم على ما فعلوه . . ومما ينخرط في هذا السلك أيضا قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
إلى