الفصل الخامس والعشرون
تجسّم الأعمال والملكات المكتسبة
مسألة تجسّم الأعمال والملكات من الحقائق التي كشف عنها القرآن الكريم ، وقد أشرنا إليها عند البحث عن ضرورة إقامة الموازنة بين العمل والجزاء ، وحقيقته عبارة عن القول بأنّ للعمل الإنساني ظهورين :
ظهور بوجوده الدنيوي ، وظهور بوجوده الأُخروي . فما يكتسبه من الأعمال الحسنة كالصلاة والصوم والحج أو ما يحقّقه من أعمال الخير كالزكاة والصدقة وما يقوم به من البر والإحسان كلّها أعمال دنيوية ولا ظهور لها بحسب هذه النشأة سوى ما نشاهد ه منها .
ولكنّ لها ظهوراً في النشأة الأُخروية بوجود يناسبها كالجنة ونعيمها وحورها وغلمانها وما تشتهيه الأنفس وتلتذ به ، فليس لها حقيقة وراء تلك الأعمال التي اكتسبها أو حقّقها في حياته ، فالأعمال الدنيوية الصالحة تظهر بهذا النحو من الجزاء .
كما أنّ ما يقترفه الإنسان من الأعمال السيئة كالشرك باللَّه سبحانه وظلم العباد وهتك الأعراض وسفك الدماء في هذه النشأة تظهر في يوم القيامة بوجودها المناسب لها فتظهر بصورة الجحيم ونارها وما يواجهه من أنواع العذاب .
هذه هي حقيقة القول بتجسّم الأعمال ، وقد سبق منّا القول إنّ من الشهود تجسّم الأعمال بواقعها الأُخروي كي لا تكون هناك ذريعة للمجرم .
فكما أنّ للأعمال ظهورين ، فهكذا الحال للملكات التي يكتسبها الإنسان في هذه الدنيا ، فتارة يكتسب ملكة الإطاعة والعدل ، وأُخرى يكتسب ملكة التمرد والعصيان ، فلكلّ من الملكتين ظهور دنيوي وظهور أُخروي يتنعم الإنسان بواحدة منهما ويعذب بالأُخرى ، وهكذا الحال في النيات .
يقول الحكيم السبزواري في هذا الصدد :
فاعتبار خُلقه الإنسانُ * مَلَكٌ أو أعجمُ أو شيطان
فهو وإن وحد دنيا ، وزعا * أربعة عقبى فكان سبعاً
بهيمة مع كون شهوة غضب * شيمته وان عليه قد غلب