تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
قسمين بين من أخلد إلى الأرض ولا يبغي سوى نيل اللذات الحسية ، وبين من لا يهمه إلّااللذات العقلية وما يناسب تلك القوّة من الكمال . ذهب المحقّقون من الحكماء إلى أنّ حقيقة اللذة هي الإدراك أيإدراك الشيء الملائم للمدرك ، فلو كان المدرِك أمراً حسياً فكماله إدراك الأُمور الحسية ، وإن كان المدرِك قوة عقلية ونفساً مجردة فكماله هو دركه الصور والمعاني الكلية وقربه من الحقّ ولقائه ومشاهدة الجواهر النورية . يقول صدر المتألّهين : إن‌ّنفوسنا إذا استكملت وقويت وبطلت علاقتها بالبدن ورجعت إلى ذاتها الحقيقية وذات مبدعها ، تكون لها من البهجة والسعادة ما لا يمكن أن يوصف أو يقاس به اللذات الحسية ، وذلك لأنّ أسباب هذه اللذة أقوى وأتم وأكثر وألزم للّذات المبتهجة . امّا أنّها أقوى فلأنّ أسباب اللّذة هي الإدراك والمدرِك والمدرَك ، وقوة الإدراك بقوة المدرِك ، والقوة العقلية أقوى من القوة الحسية ومدركاتها أقوى . « 1 » ويقول أيضاً : فانّ الصور العقلية إذا عقلها العقل يستكمل بها ويصير ذاتها كما علمت ، بل كان بعضها قبل أن يقع الشعور به مقدماً لذات العقل وكان غافلًا عنه لاشتغاله بغيره فإذا استشعر وتنبّه يرى ذلك البهاء والجمال في ذاته فصار مبتهجاً بذاته غاية البهجة . وهذه اللذة شبيهة بالبهجة التي للمبدأ الأوّل بذاته ، وبلذات المقربين بذواتهم وذات مبدئهم . . . ونحن لا نشتهي تلك اللذات ما دمنا متعلّقين بهذه الأبدان . « 2 » إلى أن قال : إذا انقطعت العلاقة بين النفس والبدن وزال هذا الشوب
هامش
( 1 ) . الأسفار : 9 / 122 . ( 2 ) . الأسفار : 9 / 123 .
مفاهيم القرآن — صفحة 139 | الشيخ جعفر السبحاني