إنّ المستشرقين قد استغلّوا هذه الواقعة ، فحاولوا أن يتّهموا قضاء سعد بن معاذ بالقسوة والخروج عن العدل ، ولكنّهم نظروا إلى الواقعة بعين واحدة ، فنظروا إلى ما حاق ببني قريظة من الذّلّ والخزي ، وقد أحاطت بهم نساؤهم وأطفالهم بالبكاء عليهم ، فزعموا أنّ مقتضى العدل والرحمة هو الإغماض عنهم ، وعن جريمتهم ، ولأجل دعم أنّ العدل والحق كانا يقضيان بما قضى به سعد بن معاذ نشير للُامور التالية .
لاشك أنّ عواطف سعد وأحاسيسه ومشاعره ومناظر الصبيان ونساء بني قريظة ، وأوضاع رجالهم وملاحظة الرأي العام ( الأوسيين ) ، كان يثير الإشفاق لهم والإغماض عن جريمتهم . كلّ هذه الاعتبارات كانت تقتضي أن تجعل القاضي فريسة العاطفة ، ويبرّئ بني قريظة الجناة الخونة وأن يخفّف من عقوبتهم أكبر قدر ممكن ، لكنّ منطق العقل وحرّية القاضي واستقلاله ، وقبل كلّ شيء مراعاة المصالح العامّة ، قاده إلى الحكم بقتل رجالهم الخونة وسبي نسائهم وأطفالهم ، ولقد استند الحاكم في حكمه إلى الأمور التالية :
1 - إنّ يهود بني قريظة كانوا قد تعهّدوا للنّبي - عند نزوله بالمدينة - بأنّهم لو تآمروا ضدّ الإسلام والمسلمين وناصروا أعداء التوحيد وألّبوهم على المسلمين ، كان للنبيّ أن يقوم بقتلهم وسبي نسائهم ، وإليك نقل هذه الإتفاقيّة : . . . ألّا يعينوا على رسول اللَّه ، ولا على أحد من أصحابه بلسان ولا يد ولا بسلاح ولا بكراع في السرّ والعلانية لا بليل ولابنهار . اللَّه عليهم بذلك شهيد ، فإن فعلوا فرسول اللَّه في حلّ من سفك دماءهم ، وسبي ذراريهم ونسائهم ، وأخذ أموالهم « 1 » .
إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كتب لكل قبيلة منهم كتاباً على حدة وكان الذي تولّى أمر بني النضير : حيي بن أخطب وهو الذي رغّب رئيس بني قريظة على نقض العهد ورفضه ، كما أنّ الذي تولّى أمر بني قريظة هو كعب بن أسد ،
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار ج 19 ص 111 ، ونقله الصدوق في كمال الدين ، وأخرجه علي بن إبراهيم القمي في تفسيره .