تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
في سورة الكهف « 1 » وأمّا السؤال عن الروح فقد ورد في سورة الأسراء ، الآية 85 . ولو كان السؤال عن الروح لكان الأنسب الإجابة عن الجميع في سورة واحدة . وعلى فرض التسليم بذلك فما هو المراد من الروح ، فهل المراد هو روح الإنسان أو جبرئيل ( روح الأمين ) والأقرب هو الثاني ، وذلك بقرينة كون السؤال من هو اليهود ، فقدكان لهم عقيدة خاصة في جبرئيل وكانوا يسمّونه ملك العذاب ، ولأجل ذلك كانوا ينصبون له العداء ، وهم الذين يتهمونه بأنّه خان حيث نقل النبوّة من نسل إسرائيل إلى أولاد إسماعيل ، وقدإشتهر منهم قولهم « خان الأمين » ، وفي الوقت نفسه كانوا يظهرون المودّة لميكائيل ، ولأجل ذلك جاء الوحي مندّداً بهم بقوله : « مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ » ( البقرة / 97 ) وقال : « مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوُّ لِلْكَافِرِينَ » ( البقرة / 98 ) وقال سبحانه : « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ » ( الشعراء / 193 - 194 ) . ووصفه بالأمين لرد اتهام اليهود إياه بالخيانة ، وأنّه نقل النبوّة من نسل إسرائيل إلى أولاد إسماعيل ، وأنّ قولهم « خان الأمين » افتراء على أمين الوحي . كل ذلك يعرب عن أنّ اليهودكانوا يكنّون العداء لجبرئيل أو يظهرونه له ، وعند ذلك طرحوا هذا السؤال حتى يعلم لهم موقف النبي ( مدّعي النبوّة ) من عدوّهم ( جبرئيل ) فإن قام بذمّه ، كان من أنصارهم ، وإنّ مدحه ، قاموا في وجهه ، فنزل الوحي بأنّ الروح من أمر اللَّه أيمن مظاهر أمره سبحانه ، فهو لا يقوم بما يقوم إلّا بأمر منه ، فلو قام بإنزال البشارة فبأمره ، ولو جاء بأمر العذاب والإبادة فهو أيضاً من أمره وبذلك يعلم أنّ تفسير الروح بروح الإنسان بعيد عن البيئة التي طرح فيها السؤال ، فإنّ البحث عن الروح وحقيقتها وحدوثها وقدمها يناسب البيئات الفلسفية لا غير .
هامش
( 1 ) . أعني قوله سبحانه : « إذ قال موسى لفتيه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضى حقباً . . . » ( الكهف / 60 - 82 ) .
مفاهيم القرآن — صفحة 220 | الشيخ جعفر السبحاني