تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
حتّى لو كان النظر في الآية بمعنى الانتظار ، أو بمعنى الرؤية ، لاتدلّ على رؤيته سبحانه يوم القيامة ، بل ليست بصدد هذا الأمر أصلًا ، ولافرق بين تفسير الكلمة بالنظر ، أو الانتظار . وربّما يتصوّره البعض من أنّ « ناظرة » لو كانت بمعنى الرؤية تمّت دلالة الآية ، ولو كانت بمعنى الانتظار لم تتم ولم تدل ، كلام سطحي ينمّ عن عدم تعمّق في السياق الذي جاءت به الآية كما ستعرف . وخلاصة القول : إنّ الآية - سواء من النظر فيها بمعنى الانتظار أو الرؤية - تهدف أمراً آخر ، لاارتباط له بمسألة الرؤية أصلًا ، ولا يعرف هذا إلّا بمقارنة الآية المذكورة بالآيات المقابلة لها . فإنّ الآية الثانية أي « إلى ربّها ناظرة » يبيّن ما هو المتوقّع عند المؤمنين كما أنّ الآية الرابعة أي « تظن أن يفعل بها فاقرة » يبين ما هو المتوقع عند العاصين ، فحيث كان المقصود في الآية الرابعة هو توقّع العصاة للعذاب الإلهي كان المقصود في الآية الثانية ( بحكم التقابل ) هو توقّع المطيعين المتّقين الرحمة الإلهية ، وهذا هو هدف الآية الثانية ، فتفسير النظر برؤية جماله وذاته غريب عن مرمى الآية وهدفها . إذا عرفت هذا فلايتفاوت بأن يفسر « ناظرة » بمعنى الانتظار ، فيكون معناه المطابقي هو انتظار رحمته بدل انتظار عذابه ، أو يفسّر بالرؤية فيكون المراد منه - بالمآل - انتظار الرحمة ، أنّ الرؤية في هذه الموارد تكون كناية عن انتظار الرحمة ، وتوقع اللطف من الجانب الآخر . يقال : فلان ينظر إلى يدفلان ، ويراد منه أنّه معدم محتاج ، ليس عنده شيء ، وإنّما يتوقع أن يعطيه ذلك الشخص ، فما أعطاه ملكه ، وما منعه حرم منه . وهذا ممّا درج عليه الناس في محاوراتهم العرفية اليوميّة إذ يقول أحدنا لصديقه الذي يتوقّع منه المعونة والمدد :
مفاهيم القرآن — صفحة 428 | الشيخ جعفر السبحاني