تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
وأمّا معناه فقد قال ابن فارس : له أصلان يدل أحدهما على ترك الشيء ، والآخر على طلبه ثمّ ترجع إليه فروع كثيرة لاتتفاوت في المعنى . فالأوّل : العفو ، عفو اللَّه تعالى عن خلقه وذلك تركه إيّاهم فلايعاقبهم فضلًا منه . قال الخليل كل من استحقّ عقوبة ؛ فتركته فقدعفوت عنه « 1 » . والظاهر أنّ العفو غير الترك بل هو المحو والإزالة يقال عفت الديارإذا درست وذهبت ، قال لبيد في معلّقته :
عفت الديار محلّها فمقامها * بمنى تأبّد غولها فَرِجامها
فعلى هذا العفو في حقّ اللَّه تعالى عبارة عن إزالة آثار الذنوب بالكلّية فيمحوها من ديوان الكرام الكاتبين ولايطالبه بها يوم القيامة ، وينسيها قلوبهم كي لايخجلوا عند تذكرها - وأحياناً يثبّت مكان كل سيّئة حسنة . قال تعالى : « وَيَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » ( الرعد / 39 ) . وقال تعالى : « فَأُولئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ » ( الفرقان / 70 ) « 2 » . وعلى هذا فالعفو أبلغ من المغفرة لأنّ الغفران يشعر بالستر ، والعفو يشعر بالمحو ، والمحو أبلغ من الستر . قال الصدوق : العَفوّ اسم مشتق من العفو على وزن فعول ، والعفو : المحو يقال عفا الشيءإذا امتحى وذهب ودرس ، وعفوته أنا إذا محوته ، ومنه قوله عزّ وجلّ : « عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ » ( التوبة / 43 ) أيمحى اللَّه عنك إذنك لهم .
هامش
( 1 ) . والأصل الثاني ذكره في آخر كلامه قال : والأصل الآخر الذي معناه : الطلب ، يقال : اعتقيت فلانا : إذا طلبت معروفه . وهذا الاستعمال قليل . ( 2 ) . لوامع البينات : ص 338 .
مفاهيم القرآن — صفحة 358 | الشيخ جعفر السبحاني