تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
وإنّما يرى هؤلاء الأشياء جميعها بخلاف غيره لأنّه لا ينظر إليها من خلال المكان المحدود . هذه الأمثلة وإن كانت أقلّ بكثير عمّا يناسب ساحته سبحانه غير أنّها تكفي لالقاء بعض الضوء على الحقيقة ، وتقريب سعة علمه إلى الذهن . وعلى الجملة فاللَّه المجرّد عن الزمان والمكان ، المجرّد عن كلّ حدّ وقيد ، بما أنّه لا يحيط به شيء ، بل هو المحيط بالأشياء جميعاً ، لايصحّ في مجال علمه تقديم وتأخير ، وماض وحاضر ، أو حاضر ومستقبل ، بل العالم بأجمعه حاضر لديه وهو يحيط بجميع ما خلق دونما استثناء . وقد عرفت أنّه لا معنى لحقيقة العلم إلّا حضور المعلوم لدى العالم ، فبما أنّ وجوده سبحانه وجود غير متناه ، لايحدّه حدّ ولايقيّده قيد ، فهو في كلّ الأزمنة والأمكنة ، وحاضر مع كلّ الأشياء والموجودات ، والّا يلزم أن يكون وجوده محدوداً متناهياً ، وعند ذلك يتحقّق علمه بكلّ حاضر لديه ، وبكلّ ماثل فلايغيب عن وجوده شيء ولاذرّة . وقدأشار الإمام علي ( عليه السلام ) إلى هذه الحقيقة إذ قال : « إنّ اللَّه عزّ وجلّ أيّنَ الأين فلا أين له ، وجلّ أن يحويه مكان ، وهو في كلّ مكان ، بغير مماسة ولامجاورة ، يحيط علماً بما فيها ولا يخلو شيء منها من تدبيره » « 1 » .

الثالث : إتقان المصنوع دليل علمه

إنّ الكون - من حيث سعته ، واشتماله على أسرار ورموز - أشبه ما يكون بمحيط لا تعرف سواحله التي قدغمرته الظلمة ، وغابت شواطيه في جنح المجهول ،
هامش
( 1 ) . الارشاد للمفيد : ص 108 ، قضايا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
مفاهيم القرآن — صفحة 330 | الشيخ جعفر السبحاني