تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
التوفّي إلى الملائكة والرسل ، وهل يمكن أن يقال إنّ النسبة الثانية والثالثة نسبتان مجازيّتان ؟ أو أنّ هناك وجهاً آخر به تنحلّ عويصة هذا النوع من الآيات وهو انّ الممكن بذاته وفعله قائم به سبحانه ، قيام المعنى الحرفي بالاسمي ، أنّه لو قام بفعل أو تأثير فإنّما هو بقدرة مفاضة إليه في كلّ آن وآن ( إن صحّ التعبير بالآن من حيث هي أصغر وحدة زمنية نعرفها ) . وثانياً : إنّه ليس نسبة الممكن إلى الواجب كنسبة البناء إلى البنّاء حيث يستغني البناء عن الباني في بقائه ودوامه لأجل القوى الطبيعيّة المودوعة فيه التي توجب تماسكه والتصاقه وبقائه ، فإنّ ذلك التصوير تصوير خاطىء ، فانّ الباني ليس موجداً للبناء حدوثاً ولابقاء ، وإنّما هو علّة الحركة ، أيتحريك أدوات البناء من حجر وطين وجصّ وتركيبها ونضدها بشكل خاص ، وفي مثل ذلك يصحّ استغناء البناء عن الباني ولو غاب أو مات ، لبقى كما هو محسوس . وأمّا نسبة العلل الطبيعية إلى اللَّه سبحانه فليس من تلك المقولة فإنّها في حدوثها وبقائها ، ذاتها وفعلها محتاجة إليه سبحانه قائمة به والوجود ذاتاً وفعلًا ، يفيض من المبدئ دوماً آناً فآناً ، بحيث لو انقطعت الصلة بين رب العزّة والعلل الطبيعية لما كان منها عين ولا أثر ، فلاترى الشمس ولاضياءه ولاالقمر ولانوره ، وفي مثل ذلك لايتصوّر استقلال الممكن في ذاته وفعاله ، وما ذكره الكاتب مبنيّ على حاجة العالم في حدوثه إلى البارىء لا في بقائه ، وهو تصوّر باطل لا ينسجم مع كونه ممكناً ولو أورد بالتشبيه والتنزيل فلنا أن نقول : « إنّ نسبة العلل الطبيعية إلى اللَّه سبحانه نظير نسبة المعنى الحرفي إلى الاسمي فإنّها لاتستغني عن المعنى الاسمي لافي عالم التصوّر ولا في مقام التحقّق عنه أو كنسبة الصور الذهنيّة إلى النفس ، وفي مثل ذلك التحدّث عن الاستغناء والاستقلال تحدّث خاطىء » . وبذلك تعلم قيمة قوله « بعد أن أودعت فيها قواها المزعومة أصبحت تؤدّي
مفاهيم القرآن — صفحة 212 | الشيخ جعفر السبحاني