تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
سبحانه : « إنّا كُنّا مِنْ قِبْلُ نَدْعُوهُ انَّهُ هُوَ البَرُّ الرَّحِيم » ( الطور / 28 ) . قد ذكر ابن فارس « للبَر » مثلثاً اصولًا أربعة : الصدق ، وحكاية صوت ، وخلاف البحر ، ونبت . أمّا الصدق مثل قوله : صدق فلان وبرّ ، وبرّت يمينه أيصدقت ، وأبّرها أمضاها على الصدق . وأمّا حكاية الصوت فالعرب تقول : لا يعرف هِراً من برّ ، فالهر دعاء الغنم ، والبرّ الصوت بها إذا سقيت . وأمّا خلاف البحر مثل قوله سبحانه : « ظَهَرَ الفَسادُ فِى البَرِّ وَالْبَحْرِ » ( الروم / 41 ) . وأمّا النبت فمنه البُرّ وهِيَ الحِنْطَةُ ، الواحدة : بُرّة . ثمَّ إنّه رتّب على المعنى الأوّل قولهم : يبرّ ذا قرابته ، وقال : وأصله الصدق يقال : رجل برّ وبارّ وبررت والديّ . وعلى هذا فالبرّ هو الصادق واطلق على المحسن لأنّه صادق في حبّه ، وقد وصف به سبحانه في القرآن كما وصف به يحيى والمسيح قال سبحانه واصفاً ليحيى : « وحناناً مِنْ لَدُنّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيّاً * وَبَرّاً بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبّاراً عِصّياً » ( مريم / 13 و 14 ) وحكى عن المسيح وقال : « وَاوْصانى بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوالِدَتِى وَلَمْيَجْعَلْنِى جَبّاراً شَقِيّاً » ( مريم / 31 و 32 ) . هذا ما يستفاد من كلام الخبير ابن فارس غير أنّ الراغب في مفرداته جعل الأصل هو خلاف البحر فاشتقّ منه سائر المعاني فقال : البرّ خلاف البحر وتصوّر منه التوسّع فاشتقّ منه البرّ أيالتوسع في فعل الخير « 1 » وينسب ذلك إلى اللَّه تعالى
هامش
( 1 ) . ولعلّه لأجل انّ البَرّ مركز الخير عند العرب ، والبحر محل الشرّ .
مفاهيم القرآن — صفحة 156 | الشيخ جعفر السبحاني