تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
استدل الخصم بأنّ ظاهر الآية نفي علمه بإلقاء الكتاب إليه ، فلم يكن النبي راجياً لذلك واقفاً عليه . أقول : توضيح مفاد الآية يتوقف على إمعان النظر في الجملة الاستثنائية ، أعني قوله : ( إلّا رحمة من ربّك ) حتى يتضح المقصود ، وقد ذكر المفسرون في توضيحها وجوهاً ثلاثة نأتي بها : 1 . انّ « إلّا » استدراكية وليست استثنائية ، فهي بمعنى « لكن » لاستدراك ما بقي من المقصود . وحاصل معنى الآية : ما كنت يا محمد ترجو فيما مضى أن يوحي اللّه إليك ويشرّفك بإنزال القرآن عليك ، إلّا أنّ ربك رحمك وأنعم به عليك وأراد بك الخير ، نظير قوله سبحانه : ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَحْمَةً مِن رَبّكَ ) ( « 1 » ) ، أي ولكن رحمة من ربك خصّك بها ، وهذا هو المنقول عن الفراء ( « 2 » ) ، وعلى هذا لم يكن للنبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - أيُّ رجاء لإلقاء الكتاب إليه وإنّما فاجأه الإلقاء لأجل رحمة ربّه ، ولكن لا يصار إلى هذا الوجه إلّا إذا امتنع كون الاستثناء متصلًا لكون الانقطاع على خلاف الظاهر . 2 . أن يكون « إلّا » للاستثناء لا للاستدراك ، وهو متصل لا منقطع ، ولكن المستثنى منه جملة محذوفة معلومة من سياق الكلام ، وهو كما في الكشاف : « وما ألقى إليك الكتاب إلّا رحمة من ربك » ( « 3 » ) ، أي لم يكن لإلقائه عليك وجه إلّا رحمة من ربك ، وعلى هذا الوجه أيضاً لا يعلم أنّه كان للنبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - رجاء لإلقاء الكتاب
هامش
( 1 ) . القصص : 46 . ( 2 ) . مجمع البيان : 4 / 269 ؛ مفاتيح الغيب : 6 / 408 . ( 3 ) . الكشاف : 2 / 487 - 488 .
مفاهيم القرآن — صفحة 316 | الشيخ جعفر السبحاني