تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
عليه وإن كان الاستثناء متصلًا ، وهذا الوجه بعيد أيضاً لكون المستثنى منه محذوفاً مفهوماً من الجملة على خلاف الظاهر ، وإنّما يصار إليه إذا لم يصح إرجاعه إلى نفس الجملة الواردة في نفس الآية كما سيبيّ - ن في الوجه الثالث . 3 . أن يكون « إلّا » استثناء من الجملة السابقة عليه ، أعني قوله : ( وما كنت ترجوا ) ويكون معناه : ما كنت ترجوا إلقاء الكتاب عليك إلّا أن يرحمك اللّه برحمة فينعم عليك بذلك ، فتكون النتيجة : ما كنت ترجو إلّا على هذا ( « 1 » ) ، فيكون هنا رجاءٌ منفي ورجاءٌ مثبت أمّا الأوّل : فهو رجاؤه بحادثة نزول الكتاب على نسج رجائه بالحوادث العادية ، فلم يكن ذاك الرجاء موجوداً ، وأمّا رجاؤه به عن طريق الرحمة الإلهية فكان موجوداً ، فنفي أحد الرجاءين لا يستلزم نفي الآخر ، بل المنفي هو الأوّل ، والثابت هو الثاني ، وهذا الوجه هو الظاهر المتبادر من الآية ، وقد سبق منّا أنّ جملة ( ما كنت ) وما أشبهه تستعمل في نفي الإمكان والشأن ، وعلى ذلك يكون معنى الجملة : لم تكن راجياً لأن يلقى إليك الكتاب وتكون طرفاً للوحي والخطاب إلّا من جهة خاصة ، وهي أن تقع في مظلة رحمته وموضع عنايته فيختارك طرفاً لوحيه ، ومخاطباً لكلامه وخطابه ، فالنبي بما هو إنسان عادي لم يكن راجياً لأن ينزل إليه الوحي ويلقى إليه الكتاب ، وبما أنّه صار مشمولًا لرحمته وعنايته وصار إنساناً مثالياً قابلًا لتحمل المسؤولية وتربية الأُمّة ، كان راجياً به ، وعلى ذلك فالنفي والإثبات غير واردين على موضع واحد . فقد خرجنا بفضل هذا البحث الضافي أنّه - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - كان إنساناً مؤمناً موحداً عابداً للّه ساجداً له قائماً بالفرائض العقلية والشرعية ، مجتنباً عن المحرمات ، عالماً بالكتاب ، ومؤمناً به إجمالًا ، وراجياً لنزوله إليه إلى أن بُعثَ لإنقاذ البشرية عن
هامش
( 1 ) . مفاتيح الغيب : 6 / 498 .