تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
روى غياث بن إبراهيم ، عن الإمام الصادق - عليه السَّلام - : « لم يحج النبي بعد قدوم المدينة إلّا واحدة ، وقد حج بمكة مع قومه حجّات » . ( « 1 » ) ولم تكن أعماله الفردية أو الاجتماعية منحصرة في المستقلات العقلية ، كالاجتناب عن البغي والظلم وكالتحنن على اليتيم والعطف على المسكين ، بل كان في فترة من حياته راعياً للغنم ، وفي فترات أُخرى ضارباً في الأرض للتجارة ، ولم يكن في القيام بهذه الأعمال في غنى عن شرع يطبق أعماله عليه ، إذ لم يكن البيع والربا والخل والخمر ولا المذكّى وغيره عنده سواسية ، وليست هذه الأُمور ونظائرها مما يستقل العقل بأحكامها . فطبيعة الحال تقتضي أن يكون - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - عارفاً بأحكام عباداته وطاعاته ، واقفاً على حرام أفعاله وحلالها ، في زواجه ونكاحه في حلّه وترحاله ، ولولاه أشرف على اقتراف ما حرّمه اللّه سبحانه في عامّة شرائعه ، والاقتراف أو الدنو منه يناقض أهداف البعثة ، فإنّها لا تتحقّق إلّا بعمله قبل بعثته بما سوف يدعو إليه بعد بعثته . وعلى ضوء هذه المقدمة يبطل القول الأوّل من أنّه لم يكن متعبّداً بشرع أصلًا ، لما عرفت من أنّ العبادة والطاعة لا تصح إلّا بعد معرفة حدودها وخصوصيّاتها عن طريق الشرع ، كما أنّ الاجتناب عن محارم اللّه في العقود والإيقاعات وسائر ما يرجع إلى أعماله وأفعاله الفردية والاجتماعية ، يتوقف على معرفة الحلال والحرام ، حتى يتخذه مقياساً في مقام العمل ، وعند ذاك كيف يصح القول بأنّه لم يكن متعبّداً بشرع أصلًا ؟ وإلّا يلزم أن ننكر عباداته وطاعاته قبل
هامش
( 1 ) . الوسائل : 8 / 88 باب 45 ، استحباب تكرار الحج والعمرة ، الحديث 4 .
مفاهيم القرآن — صفحة 286 | الشيخ جعفر السبحاني