تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
إليهما . وعلى فرض صحة الرواية الأُولى لابدّ أن يقال : إنّ الرواية إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على أنّ النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - كان موضع عنايته سبحانه ورعايته ، فلم يكن مسؤولًا عن أفعاله وحركاته وسكناته فقط ، بل كان مسؤولًا حتى عن نظراته وانقباض ملامح وجهه ، وانبساطها ، فكانت المسؤولية الملقاة على عاتقه من أشد المسؤوليات ، وأثقلها صدق اللّه العلي العظيم حيث يقول : ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ) ( « 1 » ) . كان النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - يناجي صناديد قومه ورؤساءهم لينجيهم من الوثنية ويهديهم إلى عبادة التوحيد ، وكان لإسلامهم يوم ذاك تأثير عميق في إيمان غيرهم ، إذ الناس على دين رؤسائهم وأوليائهم ، وكان النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - في هذه الظروف يناجي رؤساء قومه إذ جاءه ابن أُم مكتوم غافلًا عمّ - ا عليه النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - من الأمر المهم ، فلم يلتفت إليه النبي ، وجرى على ما كان عليه من المذاكرة مع أكابر قومه . وما سلكه النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - لم يكن أمراً مذموماً عند العقلاء ، ولا خروجاً على طاعة اللّه ، ولكن الإسلام دعاه وأرشده إلى خلق مثالي أعلى ممّ - ا سلكه ، وهو أنّ التصدي لهداية قوم يتصورون أنفسهم أغنياء عن الهداية ، يجب أن لا يكون سبباً للتولّ - ي عمّ - ن يسعى ويخشى ، فهداية الرجل الساعي في طريق الحق ، الخائف من عذاب اللّه ، أولى من التصدي لقوم يتظاهرون بالاستغناء عن الهداية وعمّ - ا أنزل إليك من الوحي ، وما عليك بشيء إذا لم يزكّوا أنفسهم ، لأنّ القرآن تذكرة فمن شاء ذكره ( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر ) ( « 2 » ) .
هامش
( 1 ) . المزمل : 5 . ( 2 ) . الغاشية : 21 - 22 .