تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
الطريق ، يتأكد منه الاستغفار وطلب المغفرة ، لا لصدور الذنب منه ، بل من باب قياس عمله إلى علو معرفته وعظمة مسؤوليته . وإن شئت فاستوضح ذلك من ملاحظة حال المتحضر والبدوي ، فالمرجوّ من الأوّل القيام بالآداب والرسوم الرائجة في الحضارات الإنسانية ، ولكن المرجوّ من الثاني أبسط الرسوم والآداب ، فما ذلك إلّا لاختلافهما من ناحية التربية والمعرفة ، كما أنّ الترقب من نفس المتحضرين مختلف جداً ، فالمأمول من المثقف أشد وأكثر من غيره كما أنّ الانضباط المرجو من الجندي يغاير المترقب من غيره ، والغفلة القصيرة من العاشق يعد جرماً وخلافاً في منطق العشق ، وليست كذلك إذا صدرت من غيره . وهذه الأمثلة ونظائرها الوافرة تثبت الأصل الذي أوعزنا إليه في صدر البحث من أنّ عظمة الشخصية وكبر المسؤولية متحالفان وأنّ الوظائف لا تنحصر في الإتيان بالواجبات ، والتحرّز عن المحظورات بل هناك وظائف أُخرى ، وكلّما زاد العلم والعرفان توفرت الوظائف وتكثرت المسؤوليات ، ولأجل ذلك تُعدّ بعض الغفلات أو اقتراف المكروهات من الأولياء ذنباً ، وهو في الواقع ليس بالنسبة إليهم ذنباً مطلقاً ، بل ذنباً إذا قيس إلى ما أُعطوا من الإ يمان والمعرفة ولو قاموا بطلب المغفرة والعفو ، فإنّما هو لأجل هذه الجهات . نرى أنّ شيخ الأنبياء نوحاً - عليه السَّلام - يقول : ( رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً ) ( « 1 » ) . ويقتفيه إبراهيم - عليه السَّلام - ويقول : ( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنينَ يَوْمَ يَقُومُ
هامش
( 1 ) . نوح : 28 .