تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
قول الدهريين ، وأُخرى إلى الكواكب كما هو قول المنجمين ، وثالثة إلى الأصنام كما هو قول عبدتها ، فردَّ اللّه سبحانه على تلك المزاعم بقوله : ( فتعالى اللّه عما يشركون ) ( « 1 » ) . وعلى ما ذكرنا يحتمل أن يكون المراد من الشرك هو الشرك في التدبير ، ومثل هذا لا يليق أن ينسب إلى من هو دون الأنبياء والأولياء ، فكيف يمكن أن يوصف به صفي اللّه آدم - عليه السَّلام - ؟ ! وأقصى ما يمكن أن يقال هو أنّ المراد من النفس الواحدة وزوجها في صدر الآية هو آدم وحواء الشخصيّان ، ولكنه سبحانه عندما انتهى إلى قوله : ( ليسكن إليها ) التفت من شخصهما إلى مطلق الذكور والأُناث من أولادهما أو إلى خصوص المشركين من نسلهما ، فيكون تقدير الكلام ( فلما تغشاها ) أي تغشى الزوج الزوجة من نسلهما ( حملت حملًا خفيفا فمرت به ) . . . إلى آخر الآية . وهذا ما يسمّى في علم المعاني بالالتفات ، وله نظائر في القرآن الكريم قال تعالى : ( هُوَ الّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيح طَيِّبَة ) ( « 2 » ) . ترى أنّه سبحانه خاطب الجماعة بالتسيير ثم خص راكب البحر بأمر آخر ومثله الآية ، ترى أنّه سبحانه أخبر عن عامّة أمر البشر بأنّهم مخلوقون من نفس واحدة وزوجها وهما آدم وحواء ، ثم ساق الكلام إلى مطلق ذرية آدم من البشر . وهذا الوجه نقله المرتضى في « تنزيه الأنبياء » عن أبي مسلم محمد بن بحر الاصفهاني . ( « 3 » ) وتوجد وجوه أُخر في تفسير الآية غير تامة . ( « 4 » ) وفيما ذكرنا غنى وكفاية .
هامش
( 1 ) . مفاتيح الغيب : 4 / 343 . ( 2 ) . يونس : 22 . ( 3 ) . تنزيه الأنبياء : 16 . ( 4 ) . لاحظ مفاتيح الغيب : 4 / 341 - 343 ؛ مجمع البيان : 4 / 508 - 510 ؛ أمالي المرتضى : 137 - 143 .
مفاهيم القرآن — صفحة 141 | الشيخ جعفر السبحاني