تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
وعلى ذلك فطلب الشفاعة إنّما يعد عبادة للشفيع إذا كان مقروناً بالاعتقاد بألوهيته وربوبيته وانّه مالك لمقام الشفاعة . أو مفوض إليه ، يتصرف فيها كيف يشاء ، وأما إذا كان الطلب مقروناً باعتقاد أنّه عبد من عباد اللَّه الصالحين يتصرف بإذنه سبحانه للشفاعة ، وارتضائه للمشفوع له ، فلا يعد عبادة للمدعو ، بل يكون وزانه وزان سائر الطلبات من المخلوقين ، فلا تعد عبادة بل طلباً محضاً غاية الأمر لو كان المدعو قادراً على المطلوب يكون الدعاء أمراً صحيحاً عقلًا ، وإلّا فيكون أمراً لغواً فلو تردّى الإنسان وسقط في قعر البئر وطلب العون من الواقف عند البئر القادر على نجدته وإنقاذه ، يعد الطلب أمراً صحيحاً ولو طلبه من الأحجار المنضودة حول البئر يكون الدعاء والطلب منها لغواً مع كون الدعاء والطلب هذا غير مقترن بشيء من الإلوهية والربوبية في حق الواقف عند البئر ، ولا الأحجار المنضودة حوله . هذا من جانب ، ومن جانب آخر نرى أنّه سبحانه حثّ على ابتغاء الوسيلة وقال : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ » « 1 » ومن المعلوم انّ المراد من الوسيلة ليست الأسباب الدنيوية الموصلة للإنسان إلى غاياته المادية ، إذ ليس هذا أمراً خفياً على الإنسان حتى يحثّه عليه القرآن كما أنّه ليس من الأُمور التي يكسل عنها الإنسان حتى يحض عليه ، بل المراد : التوسل بالأسباب الموصلة إلى الأُمور المعنوية ومن المعلوم إنّ أحد الأسباب هو التوسل بدعاء الأخ المؤمن ، والولي الصالح ، وعلى ذلك فيرجع طلب الشفاعة إلى طلب الدعاء ، الذي اتفق المسلمون قاطبة على جوازه . وإن شئت قلت إنّه سبحانه يقول : « وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلّا مَنْ شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ » . « 2 »
هامش
( 1 ) المائدة : 35 . ( 2 ) الزخرف : 86 .