تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
والتحوّل . والإجابة عن هذا التقرير واضحة جداً ، فكما انّ العقاب سنّة إلهية ، فكذلك المغفرة والعفو عن الجرم والمجرم في شرائط خاصة سنّة من السنن الإلهية ، فلا يعد الاعتراف بأحدهما نقضاً لسنته . والقائل جعل العقاب هو الأصل وتخيل انّ العفو والمغفرة نوع تغيير في سننه . وان شئت قلت : إنّ قوله سبحانه : « فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْويلًا » « 1 » لا يهدف إلى أنّه ليس له إلّا شأن واحد وعمل فارد لا يتجاوز عنه ( وهو عقاب المجرم في كل الأحايين ) بل هو سبحانه « كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ » « 2 » ، وقال سبحانه : « يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ » . « 3 » كيف وانّ للَّه سبحانه أسماء وصفات ، ولكل واحد منها تجل وظهور في عالم الكون ، فهو بما انّه المحيي والمميت ، فله تجل في الكون بالإحياء والإماتة وبما انّه القاهر والمنتقم والرؤوف والرحيم ، فله أيضاً تجلّيات في الكون ، ولا يعد كل تجلّ ناقضاً للآخر أو تحويلًا لسنته سبحانه ، وما هذا إلّا لأن الكل سنن لا أنّ هناك سنة واحدة وهو الإحياء حتى تكون الإماتة ناقضة لها . وهناك قصة قد رواها الأصمعي لا تخلو من صلة بالمقام ، قال الأصمعي : كنت في البادية وأقرأ القرآن عن ظهر القلب ، وكانت هناك امرأة من أهلها ، فقرأت قوله سبحانه هكذا : « وَالسّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ » « 4 » - واللَّه غفور رحيم - فاعترضت وقالت بأنّه سبحانه لو كان
هامش
( 1 ) فاطر : 43 . ( 2 ) الرحمن : 29 . ( 3 ) الرعد : 39 . ( 4 ) المائدة : 38 .