وإن شئت قلت : إنّ الشفيع يستفيد من صفات اللَّه العليا من الرحمة والخلق والإحياء والرزق وغير ذلك في إيصال أنواع النعم والفضل إلى كل مفتقر محتاج من خلقه ، فكما أنّ الشفاعة التكوينية ( التي مر ذكرها وشرحها في القسم الأوّل من الشفاعة ) ليست إلّا توسط العلل والأسباب بينه وبين مسبباتها في تدبير أمرها وتنظيم وجودها وبقائها كما يفصح عنه قوله سبحانه : « يُدَبِّرُ الأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِه » « 1 » فكذلك الشفاعة المصطلحة فإنّ الآيات تثبت الشفاعة لعدة من عباده من الملائكة والناس من بعد الإذن والارتضاء ، فلهم أن يتمسكوا برحمته وعفوه ومغفرته وما أشبه ذلك من صفاته العليا لتشمل عبداً من عباده ساءت حاله بالمعصية وشملته بلية العقوبة ، وللَّه الملك وهو القائل عز من قائل :
« فَأُولئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ » « 2 » . « 3 » وبذلك ظهر أنّ الشفاعة المصطلحة قسم من الشفاعة التكوينية ، بمعنى تأثير دعاء النبي ومسألته في جلب الغفران بتوسيط صفاته العليا في هذا الأمر .
أضف إلى ذلك : انّ تأثير الشفاعة في جلب الغفران ونزول الفيض ، لا يحتاج إلى هذا التحليل أساساً ، فإنّ اللَّه سبحانه هو مالك يوم الدين وله الملك وله الأمر ، فكما أنّ له إحباط عمل الكفار والمنافقين إذ يقول سبحانه : « وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعْلناهُ هَباءً مَنْثُوراً » « 4 » وقال سبحانه : « فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ » « 5 » ، فكذلك له أن يغفر من ذنوب عباده ما شاء ولمن شاء وبما شاء إذ يقول : « إِنَّ اللَّهَ
هامش
( 1 ) يونس : 3 .
( 2 ) الفرقان : 70 .
( 3 ) الميزان : 1 / 161 - 163 بتلخيص .
( 4 ) الفرقان : 23 .
( 5 ) محمد : 10 .