تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
التجاوز عن الذنوب ، وفي الاصطلاح الديني سؤال بعض الصالحين من اللَّه التجاوز عن معاقبة بعض المذنبين ، وقد أضرت هذه العقيدة بأكثر الأديان وما هي إلّا تحريف تقصّده الكهّان ليكون لهم شأن عند الناس ، وقد جاء الإسلام فقوّم عقائد الأُمم من هذه الجهة ، فذكر الشفاعة ثم قال : « من ذا الذي يشفع عنده إلّا بإذنه » وقال تعالى : « وكأيّن من ملك في السماوات والأرض لا تغني شفاعتهم شيئاً إلّا من بعد أن يأذن اللَّه لمن يشاء ويرضى » فمتى علم المسلم أنّ الشافع والمشفع هو اللَّه وانّ لا أحد يمكنه أن يغني فتيلًا ، رفع وجهه من الاستشفاع بمثله إلى الاستشفاع بربّه ، وناهيك بهذا بعداً عن الوثنية وقرباً من الديانة الإلهية . « 1 » لم يكن المتوقع من مثل عالم بارع قد أفنى عمره في الذب عن الإسلام بتآليفه القيمة أن يتعامل مع الشفاعة بمثل ما تعامل به « فريد وجدي » فإنّ كلامه هذا يكشف عن عدم تدبّره في معنى الشفاعة التي نطق بها القرآن وأثبتتها الأحاديث واختارها العلماء ، فإنّك ترى أنّه ينكر الشفاعة في بدء كلامه ويتلقّاها اعتقاداً ضاراً صنعه الكهنة وبثّوه بين الأُمّة ، حيث قال : وقد أضرّت هذه العقيدة بأكثر الأديان وما هي إلّا تحريف تقصّده الكهان ليكون لهم شأن عند الناس . ولكنه سيعود في ذيل كلامه إلى العقيدة الوهابية في باب طلب الشفاعة الظاهرة في ثبوتها في نفس الأمر ، غير أنّه ليس لنا إلّا أن نطلبها من اللَّه سبحانه حيث قال : فمتى علم المسلم أنّ الشافع والمشفع هو اللَّه وأنّ لا أحد يمكنه أن يغني فتيلًا ، رفع وجهه من الاستشفاع بمثله إلى الاستشفاع بربِّه . وسوف توافيك الآثار التربوية للشفاعة الصحيحة التي كشف عنها القرآن وأيّدها العقل والبرهان ، وأنّ ما رآه فريد وجدي عقيدة ضارة فما هي إلّا الشفاعة التي اخترعتها الوثنية أو اليهودية البعيدة عن العقيدة الإسلامية ، وليس من
هامش
( 1 ) دائرة معارف القرن الرابع عشر : 5 / 402 ، مادة شفع .
مفاهيم القرآن — صفحة 193 | الشيخ جعفر السبحاني