تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
وإن شئت قلت : إنّ أفضل الطرق للتعليم والتربية هو أن يتعانق ويتصافق الفكر والعمل ويتزامن التعليم والتطبيق وأن يردف المربي ما يلقيه بالعمل ، وهذا لا يتحقق إلّا بنزول القرآن تدريجياً وحسب الحوائج والأسئلة ، ويفوت ذلك في نزوله مكتوباً جملة واحدة . *

ج . التدليل على صدق الرسالة

إنّ التدرّج في التنزيل أحد الأدلة الساطعة على صدق القرآن في انتسابه إلى اللَّه ، وأنّه وحي سماوي لا تأليف بشري ، إذ أنّ نزول الآيات في مواسم وظروف متفاوتة مع حفظ النمط الخاص به - رغم ما يواجه به الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في حياته الرسالية من شدة ورخاء ، وهدوء واضطراب ، وسلم وحرب - خير دليل على أنّ هذا الكلام ليس إلّا وحياً يوحى إليه من إله قادر حكيم محيط خالق عالم ، فيكون ذلك أظهر برهان لعظمة القرآن ، وأقوى دليل على إعجازه ، فهل في وسع النبي أو في وسع المنطق أن يرفض تلك المزايا ويصغي إلى مقترحات أهل الكتاب بإنزال الكتاب مكتوباً جملة واحدة على غرار التوراة والإنجيل ؟ ! 3 . وربّما يفسر قولهم : « حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه » بأنّهم سألوا النبي أن ينزل على رجال منهم بأعيانهم كتاباً يأمرهم اللَّه تعالى فيه بتصديقه واتّباعه . « 1 » ونقله في الكشاف بقوله : ان ينزل كتاباً إلى فلان وكتاباً إلى فلان بأنّك رسول اللَّه . « 2 » ومن المعلوم انّ هذا السؤال يكشف عن تعنّتهم وعنادهم ، ولو قام به النبي ولبّى طلبهم ، لطمع الآخرون في ذلك وصارت النبوة إلعوبة بأيدي الناس .
هامش
( 1 ) مجمع البيان : 2 / 133 . ( 2 ) الكشاف : 1 / 434 .