السماء يرون نزوله برأي العين .
ولنفترض قيام النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بإجابة هذا السؤال ، أو ليست تلك الإجابة توجب أن يطمع الآخرون في هذا الأمر ويطلبوا من النبي أن يفعل لهم ما فعل لغيرهم ، المرة بعد المرّة ، والكرّة بعد الأُخرّى ، مع كثرة القبائل وتعددّ البطون ، وعندئذ تصبح النبوّة إلعوبة بأيدي الجهّال ، ويصبح مثله كمثل المرتاضين والسحرة الذين غدوا أداة طيّعة لترفيه الناس .
هذه الوجوه ترد على هذا المحتمل من السؤال ، غير أنّ هاهنا إشكالًا آخر ، وهو أنّه لو قام النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بهذا الوجه من السؤال وهو أن ينزل عليهم كتاباً من السماء مكتوباً كما كانت التوراة مكتوبة من عند اللَّه في الألواح - إذ على هذا الوجه لفاتت المصالح المترتبة على نزول القرآن تدريجياً ، فإن لنزول القرآن نجوماً عللًا وغايات أُشير إليها في الكتاب العزيز ، كما أُشير إلى اعتراض المشركين بأنّه لماذا لا ينزل عليه القرآن جملة واحدة ، قال سبحانه ، « وَقَالَ الَّذِينَ كَفَروا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلَا يَأتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً » . « 1 » إذ في نزول القرآن نجوماً أسرار قد أُشير في الآية إلى واحد منها وهو تثبيت فؤاد النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فنزول القرآن مكتوباً مرّة واحدة يوجب فوات فوائد موجودة في النزول التدريجي ، وإليك بعض هذه الأسرار والفوائد :
*
أ . تثبيت فؤاد النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم
إنّ النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كان يتحمل مسؤولية ضخمة جداً ، وكان يواجه في هذا السبيل صعوبات ومشقات ، كان لا بد له من إمداد غيبي غير منقطع ، ونجدة إلهية متصلة ، ولهذا كان نزول الوحي تدريجياً موجباً لتسلية النبي وتقوية روحه وعزيمته ، وإلى هذا أشارت الآية : « كَذلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ » . « 2 » *
ب . تسهيل عملية التعليم
إنّ صعوبة مهمة التعليم كانت تقتضي أن يتنزّل القرآن شيئاً فشيئاً ليسهل تعليمه للناس ، وإلقاؤه إليهم ، كيف لا ؟ ! والنبي طبيب يعالج النفوس ويداوي الأرواح ، وذلك يقتضي التدرّج في العلاج .
هامش
( 1 ) الفرقان : 32 - 33 .
( 2 ) الفرقان : 32 .