تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
رد علم الساعة إليه ، غيّر أسلوب كلامه من الحصر ، إلى أسلوب لا يفيد سوى علمه بهذه الأمور ، وأنّه لا تخرج ثمرة من أوعيتها وغلفها ، ولا تحمل أنثى ، ولا تضع أنثى ، إلّا في الوقت الذي يعلم سبحانه أنّه تخرج منها أو تحمل وتضع فيه . ونظيره قوله سبحانه : « وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » ( الزخرف - 85 ) وقوله : « يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا » ( النازعات - 44 ) وقد فسّر الطبرسي قوله : « فيمَ أَنُتَ منْ ذِكْرَاهَا » بقوله : أيلست في شيء من علمها وذكراها . ولأجل اختصاص علمه باللَّه سبحانه ، لما سئل عن وقت الساعة وتعيين تاريخها أعرض سبحانه عنه ، وأخذ ببيان علائمها وأشراطها كما في قوله سبحانه : « يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القِيَامَةِ * فَإِذا بَرِقَ البَصَرُ * وَخَسَفَ القَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالقَمَرُ * يَقُولُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المَفَرُّ » ( القيامة : 6 - 10 ) . فإذا أمعنا النظر في هذه الآيات وما فيها من السياق الواحد المفيد للحصر والقصر ، لا نشك في صحة ما ذكره المفسّرون في جريان مشيئته سبحانه على كتمان العلم بوقتها عن غيره ولعلّ هنا من يفرّق بين قوله : « وعنده علم الساعة » وقوله : « قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلّا اللَّه » حيث حملنا الثاني على العلم الأزلي الذاتي ، وقلنا إنّ المختص باللَّه سبحانه ، هو هذا القسم دون العلم المستفاد المفاض منه ، سبحانه إلى عباده ، وأنّ الآية لا تشمل ما كان من العلم اكتسابياً ، وعلى فرض عمومه لكلا القسمين ، يمكن تخصيصها بما دلّ على اطلاع الرسول على الغيب نظير قوله سبحانه : « فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَّسُولٍ » ( الجن : 26 - 27 ) . وأمّا قوله سبحانه : « وعنده علم الساعة » فلأنّ تضافر الآيات على حصر خصوص العلم بالساعة به سبحانه والتصريح به في كل مورد تحدث عنه ، بأسلوب يغاير أسلوب ما عداه كما عرفت فيما تقدم من الآيات ، ربّما يؤكد نظر المفسرين من أنّه
مفاهيم القرآن — صفحة 491 | الشيخ جعفر السبحاني