تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
الغيب أيضاً . فيأمر اللَّه تعالى نبيّه أن ينفي عن نفسه أيّة قدرة أو علم دون الارتباط باللَّه تعالى والاستمداد منه ، وذلك تفنيداً لمزاعم المشركين الباطلة . وتأتي جملة : « إلّا ما شاء اللَّه » في الآية الكريمة دليلًا آخر على أنّ الآية ليست في مقام نفي القدرة والعلم عن النبي - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - بصورة مطلقة ، بل أنّها نفت عنه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - ذلك اللون من العلم والقدرة اللّذين يتصور أنّ النبي واجد لهما استقلالًا وبصورة التفويض ، ولأجل ذلك فالآية لم تنف عن النبي - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - العلم والقدرة اللّذين يقتبسهما من اللَّه ، بل أثبتت ذلك له حسب الاستثناء الوارد في قوله تعالى : « إلّا ما شاء اللَّه » . وبالتالي يتضح لنا مفهوم الفقرة الأخرى من الآية وهي قوله : « لو كنت أعلم الغيب » الخ . ومعناها : لو كنت أعلم الغيب دون إلهام من اللَّه تعالى لحصلت على الخير الكثير ودفعت عن نفسي الشر الكثير ، ولكن لا أستطيع ذلك لأنّ علم الغيب ليس وصفاً ذاتياً لي ، بل هو فيض من اللَّه ، يعطيني ذلك حين يشاء ، وفي جانب قدرة التصرف في هذا الكون أحظى بمقدار ما يشاء . أما الآية الخامسة أعني قوله سبحانه : « وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم » ( التوبة - 101 ) . فالآية الكريمة وإن كانت تدلّ - بحكم كلمة « لا تعلمهم » - على وجود منافقين في المدينةلا يعرفهم النبي - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - ، وهو لا يتفق مع ما يدعى له - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - من علم الغيب ؟ إلّا أنّ الآية لا تدل على أكثر من نفي العلم عن النبي بالنسبة للمنافقين في ظرف نزول الآية فقط ، ولا يعني هذا نفي العلم عن النبي - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - تجاه المنافقين في كل الظروف والأحوال ، ولا شك في أنّ اللَّه تعالى أخفى عن نبيّه بعض الحوادث عند وقوعها ، وكان منها وضع المنافقين المؤسف في المدينة لما يحمل في طياته من ألم عميق للنبي - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - .