تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
فقد اتضح مما ذكرناه أنّ الفقرة الثانية من الآية لا تنفي عن النبي إلّا علم الغيب بشكله الذاتي بينما أثبتت الفقرة الثالثة منها للنبي - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - علم الغيب عن طريق الوحي بشكله التبعي ، والفقرة الرابعة من الآية توضح ما وصلنا إليه أيضاً حيث تقول : « وما أنا إلّا نذير مبين » ومعناها : أنّ ما ترتقبونه منّي من علم غيب ذاتي ليس إلّا عبثاً ، إنّما أنا نبي نذير أخبركم عمّا أطلع عليه عن طريق الوحي فقط ، ولا أعرف شيئاً دون تعليم اللَّه تعالى . أمّا الآية الثانية أعني قوله سبحانه : « قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوْحى إِلَيَّ » ( الأنعام - 50 ) فبالنظر إلى ما ذكرناه من التصورات الخاطئة التي حملها المشركون في أذهانهم عن الأنبياء ، يتضح مفهوم هذه الآية أيضاً ، إذ أنّهم ترقبوا من النبي - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - أن يعلم الغيب من عند نفسه ودون سابق ارتباط باللَّه ، ولكن الآية ترد عليهم هذا الارتقاب غير الصحيح بقولها : « ولا أعلم الغيب » أيلا أعلم الغيب إلّا من اللَّه ، والفقرة الأخيرة من الآية تدل على ذلك : « إن أتّبع إلّا ما يوحى إليَّ » أي انّي عن طريق الوحي أطلع على الغيب . أمّا الآية الثالثة أعني قوله سبحانه : « وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَك » ( هود 31 ) . فغنية عن التوضيح إذ أنّها لا تختلف عن الآية الثانية لفظاً ومفاداً . أمّا الآية الرابعة أعني قوله سبحانه : « قُلْ لَا أَمِلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءَ إِنْ أَنَا إلّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَومٍ يُؤْمِنُون » ( الأعراف 188 ) . فيتضح مفهومها بملاحظة ما قدمناه حول الآية الأولى حيث أنّها تبطل ما يحمله المشركون في أذهانهم اتّجاه النبي - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - من تصورات خاطئة من قبيل أنّ النبي - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - يجب أن يحظى بقدرة فائقة وسلطة عريضة في هذا الكون دون اتصال باللَّه تعالى ، فيجلب - استناداً لهذه القدرة الفائقة - كل خير إلى نفسه ويبعد كل شر مرتقب عنه ، ثم يخبر عن
مفاهيم القرآن — صفحة 431 | الشيخ جعفر السبحاني