تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
منها : البخوع للعبادة ، والعكوف على المجاهدات النفسانية والرياضات التي لا تنازع الفطرة ، بل تعدل الميول والغرائز وتهديها سبيل الرشاد والسلام . منها : التفكير في آثار صنعه وعجائب خلقه وبدائع كونه بتعمّق وتدبّر حتى يهديه التفكير في جمال الطبيعة إلى معرفة بارئها معرفة تامة تليق بحال نبيّه . منها : أن يكون في رعاية أكبر ملك يهديه إلى طرق المكارم ومحاسن الأخلاق كما أشار إليه مولانا أمير المؤمنين في الخطبة القاصعة : « لقد قرن به - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - من لدن ان كان فطيماً ، أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره ، ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل أثر امّه ، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري . ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللَّه وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة ، وأشم ريح النبوّة ، ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه فقلت : يا رسول اللَّه ما هذه الرنّة ؟ فقال : هذا الشيطان آيس من عبادته إنّك تسمع ما أسمع ، وترى ما أرى إلّا أنّك لست بنبي ولكنّك وزير ، وأنّك لعلى خير » « 1 » . هذا البيان الضافي من أمير الإسلام والبيان - عليها السَّلام - يؤمي إلى كثير مما ذكرناه من المقدمات ، ويرسم لنا صورة اجمالية من حياة النبي - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - الأكرم قبل بعثته وأنّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - منذ نعومة أظفاره ، ومنذ أن فطم من الرضاع ، وقع تحت كفالة أكبر ملك يسلك به طريق المكارم ، ويرشده إلى معالم الهداية ومدارج الكمال ، ويصونه طيلة حياته من طفولته إلى شبابه وإلى كهولته من كل سوء . هذا البيان يفيدنا بأنّ نفس أيانسان لا تستعد لقبول الوحي إلّا بعد اقتحام عقبات وطي مراحل ، وأنّ الملك الأكبر لم يزل يواصل نبي الإسلام ليله ونهاره حتى استعدت نفسه لقبول الوحي ، وتمثّل أمينه بين يديه ، والقاء كلام ربّه إليه ووعيه له منه ، بانطباعه في لوح نفسه ، وإذا اقتحم تلكم العقبات وتحققت تلكم المقدمات والمعدات
هامش
( 1 ) - نهج البلاغة الخطبة القاصعة ص 374 طبع عبده .