تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
هل تجد من نفسك ريباً في أنّه بصدد نفي تلاوة أيكتاب عن نبيّه الأكرم قبل نزول الوحي عليه ، وكتابة أي صحيفة عنه ، أوليس من القواعد الدارجة بين أئمّة الأدب ، أنّ النكرة في سياق النفي تفيد انتفاء الحكم عن كل أفرادها وتعطي شمول السلب كقوله سبحانه : « وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمالَهُ مِنْ مُكْرِمٍ » ( الحج - 18 ) وقد قال سبحانه : « وما كنت تتلوا من قبله من كتاب » فأدخل النفي على النكرة وجعلها في سياقه ، فإذن المراد من التلاوة المنفية تلاوة مطلق الكتاب كما أنّ المراد من الخط المنفى عنه تسطير أيكتاب وترسيم أيصحيفة تقع في ذهن السامع ، فالضمير المتصل بالفعل ( لاتخطه ) عائد إلى ( كتاب ) وكأنّه جل شأنه قال وما كنت تخط كتاباً . وقد وافاك أنّ مثل هذا الكلام لوقوع النكرة في سياق النفي يفيد عموم النفي فاللَّه سبحانه نفى عن نبيه ، مطلق التلاوة والكتابة قبل بعثته . ثم إنّه عزّ اسمه ، علّل سلب هذا الأمر عن نبيّه بمصلحة أولى وألزم ، وهي نفي ريب المبطلين وشك المشككين ، إذ لو كان الرسول - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - في برهة من عمره تالياً للكتب ، وممارساً للصحف ، لساغ للبسطاء من امّته والمعاندين منهم أن يرتابوا في رسالته وقرآنه ، ويلوكوا في أشداقهم بأنّ ما جاء به من الصحف والزبر والسور والآيات ، إنّما تلقّاها من الصحف الدينية وقد صاغها وسبكها في قوالب فصيحة ، تهتز منها النفوس وترتاحإليها القلوب ، فليست لما يدّعيه من نزول الوحي على قلبه ، مسحة حق أو لمسة صدق . وقد حكى سبحانه هذه الفرية الشائنة عن بعض المشركين فقال سبحانه : « وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُو ظُلْماً وَزُوراً * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا » ( الفرقان : 4 - 5 ) فاللَّه سبحانه لقلع جذور الشك عن قلوب السذج من الامّة ، والمبطلين منهم ، صرفه عن تعلّم الكتابة حتى يصبح لنبيّه أن يتلو على رؤوس الاشهاد قوله سبحانه : « قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ » ( يونس 16 ) .
مفاهيم القرآن — صفحة 298 | الشيخ جعفر السبحاني