تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 554

مساهمون:

ص٥٥٤
والحكومات ولقد سلك النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم هذا المسلك وتمكّن بذلك أن يمنع من محاولات أعداءه العدائيّة ، ويبطل خططهم في الداخل . إنّ حياة النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم تبيّن أنّه كان يسعى دوماً إلى أن يدفع العدو إلى الخضوع للحقّ ، ولم يكن يهدف الانتقام والثأر وإراقة الدماء . ففي المعارك والغزوات التي شارك فيها النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أو بعث سريّة لمقابلة العدو كان يهدف بالدرجةالاولى إلى تفريق جمعهم ، وتشتيت صفّهم لأنّه كان يعلم بأنّه لو ارتفعت الموانع عن طريق الإسلام لاستطاع الدين بمنطقه البيّن ونهجه القويم أن يشقّ طريقه إلى قلوب الناس . فإذا تفرّق جمع العدو ، ويئس من السيطرة على الإسلام ، وعاد الناس إلى فطرتهم ورشدهم ، استطاع الدين أن يتسرّب إلى قلوبهم ، وجذبهم إلى صفّه ، وهذا هو أمر تدلّ عليه الأحداث التاريخيّة فإنّ كثيراً من الشعوب والأقوام التي هزمت أمام القوّة الإسلاميّة العسكريّة ، عادت إلى رشدها وراحت تفكّر في قبول الدين واعتناق تعاليمه ومفاهيمه . وقد ظهر هذا الأمر في فتح مكّة بأجلى مظاهره . لقد كان النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يعلم أنّه لو فتح مكّة ونزع السلاح من العدو ، وتهيّأت البيئة المساعدة للتفكير والتدبّر فلن يمضي زمان كبير إلّا ويستقبل الناس بقلوبهم وعقولهم دعوة الإسلام ، ولذلك كان يتحتّم على النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أن ينتصر على العدو ، ويتغلّب عليه ولكن دون إبادته وتدميره وإفنائه . . ما دام حقن الدماء ممكناً . ولتحقيق هذا الهدف المقدّس ( الغلبة على العدو دون إراقة الدماء ) كان يتعيّن مباغتة الطرف الآخر ومفاجأته قبل أن يفكّر في الدفاع عن نفسه ، وقبل أن يقوم بأيّ عمل مضادّ ، ولا شكّ أنّ هذا الأمر ما كان ليتحقّق إلّا بأن تبقى جميع أسرار السياسة الإسلاميّة مصونة محفوظة لا يعلم بها الطرف الآخر ، ولا يقع في يده شيء منها فلا يعلم العدو مثلا هل يريد النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم مهاجمتهم أوّلًا ، وعلى فرض عرف العدو ذلك ، فلا يعرف متى وكيف ومن أين ، كلّ ذلك
مفاهيم القرآن — صفحة 554 | الشيخ جعفر السبحاني