تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥
أمّا التعهّد من جانب واحد فهو شكل بسيط من التعهّدات . . فإنّ الدولة تلتزم من ناحيتها بأمور اتّجاه دولة أخرى بصورة ابتدائية ، كأن تعترف بها ، وبأمنها وتتعهّد بعدم العدوان عليها وعدم التعرّض لها ، ونحن نجد - في الإسلام - نماذج من هذا النوع ، فعندما خرج النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إلى تبوك في ملاحقة الروم ، فانتهى إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة ، فصالح رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فأعطاه النبيّ كتاباً التزم فيه بأمور وإليك نصّه : « بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم هذه أمنة من اللَّه ومحمّد النبيّ رسول اللَّه ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة سفنهم وسيّارتهم في البرّ والبحر لهم ذمّة اللَّه ، وذمّة محمّد النبيّ ، ومن كان معهم من أهل الشّام وأهل اليمن وأهل البحر فمن أحدث منهم حدثاً فإنّه لا يحول ماله دون نفسه وأنّه طيّب لمن أخذه من النّاس وأنّه لا يحلّ أن يمنعوا ماءً يردونه ولا طريقاً يريدونه من برّ أو بحر » « 1 » . إنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يتعهّد لتلك الجماعة بأن يحترم أمنهم في كلّ الحالات والأماكن ويعترف لهم بحقّ الحياة والعيش ، ويضمن سلامة تنقّلاتهم من دون أن يأخذ منهم تعهّداً متقابلا . وأمّا التعهّدات المتقابلة فهي أيضا على قسمين : فتارة يلتزم الطرفان بالأمور السلبيّة مثل : أن يتعهّدا بأن لا يتعرّض أحدهما للاخر ، وغير ذلك ، وتارة يلتزم الطرفان بالأمور الإيجابيّة مثل التعهّد بالتبادل التجاريّ والثقافيّ ، ونحن نرى نماذج من كلا النوعين في تاريخ الحياة السياسيّة للإسلام . ونمثّل للنوع الأوّل بقصّة بني ضمرة . فإنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لما بلغ « ودان » وهي غزوة الأبواء يريد قريشاً ، وبني ضمرة بن بكر بن عبد منات بن كنانة فوادعته فيها بنو ضمرة ، وكان الذي وادعه منهم عليه مخشي ابن عمرو الضمري وكان سيّدهم في زمانه ، فلمّا خرج الرسول الأكرم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إلى بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده فأتاه مخشي بن عمرو الضمري وهو الذي وادعه على بني ضمرة في
هامش
( 1 ) - سيرة ابن هشام 2 : 525 .
مفاهيم القرآن — صفحة 535 | الشيخ جعفر السبحاني