تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
عباس على الإمام ما لم يوافق رأيه : « لك أن تُشير عليّ وأرى ، فإن عصيتُك فأطعني » « 1 » . إذن فلرئيس الدولة الأعلى أن يختار عند اختلاف الآراء ما هو أصلح لحال الامّة وأقرب إلى الموازين الإسلاميّة ، وإلّا انحصر الطريق في تغليب الأكثريّة على الأقليّة لما ذكرنا . وأمّا سيرة الرسول في الشورى فلم يظهر منه أنّه قدّم الأكثريّة على الأقليّة إطلاقاً ، بل الظاهر أنّه بحكم أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كان مفوّضاً إليه الأمر على الإطلاق في التصميم واتّخاذ القرار والاستنتاج كما هو الظاهر من خطابه سبحانه إليه « فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ » أنّ يقدّم ما هو الحقّ والصلاح أو الأحقّ والأصلح على غيره سواء أوافق نظرية الأكثرين أم خالفها . هذا وللرسول الأعظم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عدة مشاورات ضبطها التاريخ مبثوثة في طيّات الكتب والمؤلّفات ونحن نجمعها في مكان واحد حتّى تتبيّن كيفيّة استشارته . إنّ للرسول الأعظم مشاورات خمس حسبما وقفنا عليها وإليك توضيحها : الأولى / في غزوة بدر ، قبل أن يواجه العدو ، فاستشار الناس ، وأخبرهم بأمر قريش فقام أبو بكر وقال : يا رسول اللَّه إنّها واللَّه قريش وعزّها ، واللَّه ما ذلّت منذ عزّت ، واللَّه ما آمنت منذ كفرت ، واللَّه لا تسلّم عزّها أبداً فاتّهب لذلك أهبته وأعدّ لذلك عدّته ، وتكلّم بمثله أيضاً عمر ، ثمّ قام المقداد بن عمرو فقال يا رسول اللَّه : امض لأمر اللَّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيّها : « فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُوُنَ » ( المائدة : 24 ) ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون . فقال له رسول اللَّه خيراً ودعا له بخير ثم قال رسول اللَّهصلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « أشيرُوا عليّ أيُّها النّاسُ » وإنّما يريد رسول اللَّه الأنصار وكان يظنّ أنّ الأنصار لا تنصره إلّا في الدار ، وذلك أنّهم شرطوا له أن يمنعوه ممّا يمنعون منه أنفسهم وأولادهم فقال رسول اللَّه : « أشيروا عليّ » .
هامش
( 1 ) - نهج البلاغة : باب الحكم ( الرقم 321 ) وقد مرّ في الصفحة 391 و 392 ما يدلّ على ذلك أيضاً .
مفاهيم القرآن — صفحة 394 | الشيخ جعفر السبحاني