ولعل من الجدير هنا أنّ نورد ما ذكره العلّامة الطباطبائيّ في هذا الصدد تحت عنوان : حدود الدولة الإسلاميّة هو الاعتقاد دون الحدود الطبيعيّة أو المصطنعة :
( لقد ألغى الإسلام فكرة الإنشعابات القوميّة ، ورفض أن يكون لها أثرها في تكوّن الامّة ، تلك الإنشعابات التي عاملها الأصليّ الحياة البدويّة والمعيشة القبائليّة العشائريّة أو اختلاف الوطن . .
وهما أمران يجرّان ورائهما الاختلاف في الألسن والألوان ونشوء القبائل ، والشعوب ، ثم صارا سبباً لأن تحوز كلّ جماعة قطعة من الأرض وتخصّصها لنفسها ، وتسمّيها وطناً يألفونه ويذبّون عنه .
وهذا وإن كان أمراً ساقهم إليه الحوائج الطبيعيّة التي يدفعهم الفطرة إلى رفعها غير أنّ فيه خاصّية تنافي ما يستدعيه أصل الفطرة الإنسانيّة ، فإنّ الطبيعة تدعو - بالضرورة - إلى اجتماع القوى المتشتّتة وتألفها وتقوّيها بالتراكم والتوحيد لتنال ما تطلبه من غاياتها الصالحة بوجه أتمّ وأصلح .
والانشعابات بحسب الأوطان ( أو الألوان أو اللغات ) تسوق الامّة إلى توحّد في مجتمعهم يفصله عن المجتمعات الأخرى ذات الأوطان الأخرى فتصير جماعة واحدة منفصلة الجسم والروح عن المجتمعات الأخرى ، فتنعزل الإنسانيّة عن التوحيد المطلوب والتجمّع المنشود وتصاب بالتفرّق والتشتّت الذي كانت تفرّ منه ، كما ويترتّب على ذلك أن يعامل هذا الجزء البشريّ بقية الأجزاء البشريّة الأخرى كما يعامل الإنسان سائر الأشياء الكونيّة ، أيعلى أساس الاستثمار والاستخدام لا على أساس التعاون والتعايش والمعاشرة الإسلاميّة المطلوبة .
وهذا هو السبب في إلغاء الإسلام للإنشعابات القوميّة والتميّزات الأرضيّة وبناء الاجتماع على العقيدة دون الجنسيّة والقوميّة والوطن ونحو ذلك ، حتّى في مثل الزوجية والقرابة في الاستمتاع والميراث فإنّ المدار فيهما على الاشتراك في العقيدة لا في المنزل والوطن مثلًا ) « 1 » .
هامش
( 1 ) - تفسير الميزان 4 : 200 بتصرّف بسيط .