تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
المسؤوليّات والمناصب الأخرى ، يجب أن يكون مستقلًّا في عمله غاية الاستقلال ، لكي لا يخضع لما يميل به عن العمل بمسؤوليّته . . ويقتضي ذلك أن يكون مستقلًّا في اقتصاده عن الآخرين كيلا يقع فريسة الأطماع ، ولقد أدرك الإسلام هذه الناحية الحسّاسة فأمر الحكومة الإسلاميّة بالإغداق على القاضي إغداقاً يقطع طمعه عمّا في أيدي الآخرين ، يقول الإمام عليّ - عليه السلام - في عهده للأشتر النخعيّ في هذا الصدد : « وافسح لهُ ( أي للقاضي ) في البذل ما يزيل علّته ، وتقلُّ معه حاجته إلى الناس » « 1 » . ولكنّ هذا الاستقلال لا يكفي إذا لم ينضمّ إليه استقلال القاضي من أيّ تأثير خارجيّ سياسيّ عليه ، ومن أيّة تدخّلات صادرة عن السلطات الأخرى في عمله القضائي فإنّ القاضي يجب أن يُترك وشأنه حتّى يستجلّي الحقّ بنفسه دون مؤثرات خارجيّة ولا تدخلات في عمله . . ولذلك قال الإمام عليّ - عليه السلام - في عهده للأشتر النخعيّ ، في هذا الصدد : « واعطه من المنزلة لديك ملا يطمعُ فيه غيرهُ من خاصّتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال لهُ عندك فانظر في ذلك نظراً بليغاً » « 2 » . والمقصود هو أن يكون للقاضي موضعاً غير متأثّر بأحد ليقضي بالحقّ ، ويفصل في الخصومات ، ويصدر الأحكام غير متهيّب ولا متأثّر وهذا هو ما يصطلح عليه السياسيّون اليوم باستقلال السلطة القضائيّة ، وتفكيكها عن بقية السلطات . ولقد نبّه إلى هذا فقهاؤنا العظام استلهاماً ممّا لديهم من تعاليم الشريعة المقدّسة في هذا المجال ، قال المحقّق النائينيّ ( المتوفّى عام 1355 ه ) : ( إنّ ولاية الحاكم ترجع إلى قسمين : الأوّل الأمور السياسيّة ، التي ترجع إلى نظم البلاد وانتظام أمور العباد ، والثاني الإفتاء والقضاء ، وكان هذان المنصبان في عصر النبيّ والأمير - عليه السلام - بل في عصر الخلفاء الثلاثة لطائفتين وفي كل بلد أو صقع كان الوالي غير القاضي فصنف كان منصوباً لخصوص القضاء والإفتاء وصنف كان منصوباً لإجراء الحدود ونظم البلاد والنظر في مصالح المسلمين ، نعم اتّفق إعطاء كلتا الوظيفتين
هامش
( 1 ) - نهج البلاغة : قسم الكتب الرقم 53 . ( 2 ) - نهج البلاغة : قسم الكتب الرقم 53 .
مفاهيم القرآن — صفحة 334 | الشيخ جعفر السبحاني